وهبة الزحيلي

50

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

بَشَراً سَوِيًّا [ مريم 19 / 17 ] كما يطلق للجمع ، كقوله : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً [ مريم 19 / 26 ] ولم يثنّ المثل ؛ لأنه في حكم المصدر ، فيوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث . وَقَوْمُهُما يعني بني إسرائيل عابِدُونَ خادمون مطيعون ، خاضعون منقادون مِنَ الْمُهْلَكِينَ بالغرق في البحر الأحمر الْكِتابَ التوراة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ لعل بني إسرائيل يهتدون إلى المعارف والأحكام . ولا يجوز عود الضمير إلى فرعون وقومه ؛ لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم . المناسبة : هذه هي القصة الرابعة في هذه السورة ، ويلاحظ فيها وحدة الموضوع والهدف وشبهة إنكار النبوة ، فموضوعها : وصف حال المتكبرين السادة الأشراف الملأ من قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وأيوب ويوسف ، وفرعون وملئه ، وتكذيبهم رسلهم الذين جاءوهم بالحق وبالبينات والمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم . والهدف : هو العبرة والعظة حتى لا يستبد الكفار بآرائهم ، ويمعنوا في العناد والكفر ، فيستحقوا مثل عقاب من تقدمهم . وأما شبهة إنكار النبوة من المنكرين في هذه القصص فهي واحدة وهي وحدة البشرية أو قياس حال الأنبياء على أحوالهم ، لما بينهم من المماثلة في الحقيقة ، وهي شبهة زائفة باطلة ؛ لأن النفوس البشرية ، وإن اشتركت في أصل القوى والإدراك ، فإنها متباينة فيهما ، فالناس يتفاوتون في طاقات المواهب والأفكار والمدارك ، وفي الاستعدادات الفطرية ، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى : قُلْ : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ الكهف 18 / 110 ] . التفسير والبيان : ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ . . قَوْماً عالِينَ أي ثم أرسلنا بعد الرسل