وهبة الزحيلي
48
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بعض ، حين كذبوا رسلهم ، كقوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [ الإسراء 17 / 17 ] . وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي وجعلناهم أخبارا وأحاديث للناس ، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ، يتحدثون بها تلهيا وتعجبا ، كقوله تعالى : فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [ سبأ 34 / 19 ] . فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ أي هلاكا وتدميرا وبعدا عن رحمة اللّه لقوم لا يصدقون به ولا برسوله . وهذا وارد على سبيل الدعاء ، والذم ، والتوبيخ ، والوعيد الشديد لكل كافر . وهو دليل على أنهم كما أهلكوا عاجلا ، فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب . فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآيات واضحة الدلالة على المقصود منها ، وهي أن أجل الهلاك والعذاب محدد بميقات معين ، لا يتقدم عنه ولا يتأخر . وأن رحمة اللّه وحكمته وعدله اقتضت إرسال الرسل في كل الأمم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء 4 / 165 ] . ولكن أكثر الناس وجمهورهم يكذبون الرسل ويخالفونهم فيما جاؤوا به ، فتكون النتيجة إهلاك بعضهم إثر بعض ، وجعلهم أحدوثة ( وهي ما يتحدث به ) يقص الناس أخبارهم في مجالس السمر ، لأنها مدعاة للتعجب . ثم ختمت الآيات بالإنذار والوعيد الشديد بالهلاك والدمار لكل قوم لا يصدقون بوجود اللّه وتوحيده وإرسال رسله ، فإن الكافرين كما أهلكوا في الدنيا ، يكون هلاكهم بالتعذيب في الآخرة أمرا منتظرا مؤكدا حصوله .