وهبة الزحيلي

279

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

طاعة اللّه تعالى والرسول صلّى اللّه عليه وسلم في الأمر والنهي ، فإن المؤمنين الصادقين وهم عند نزول الآيات المهاجرون والأنصار كانوا إذا دعوا إلى كتاب اللّه تعالى وحكم رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، قالوا : سمعا وطاعة ، دون تمهل ولا تردد . وهم في هذا القول لم يخسروا ، وإنما حققوا لأنفسهم الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة ، فمن يطع أوامر اللّه تعالى ويلتزم بحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمره ، ويخف عذاب اللّه على ذنوبه الماضية ، ويتق اللّه في مستقبل عمره ، فهو من الفائزين بكل خير ، البعيدين عن كل شر . ذكر أسلم أن عمر رضي اللّه عنه بينما هو قائم في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه ، وهو يقول : أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، فقال له عمر : ما شأنك ؟ قال : أسلمت للّه ، قال : هل لهذا سبب ؟ قال : نعم ! إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء ، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة ، فعلمت أنه من عند اللّه ، فأسلمت ، قال : ما هذه الآية ؟ قال : قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في الفرائض وَرَسُولَهُ في السنن وَيَخْشَ اللَّهَ فيما مضى من عمره وَيَتَّقْهِ فيما بقي من عمره فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ والفائز : من نجا من النار ، وأدخل الجنة . فقال عمر : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما رواه البيهقي : « أوتيت جوامع الكلم » . وأما المنافقون فيقسمون باللّه تعالى أغلظ الأيمان ، وطاقة ما قدروا أن يحلفوا على أنهم يجاهدون مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المستقبل ويطيعونه فيما أمر ، ولكن أيمانهم كاذبة ، لذا نهاهم اللّه تعالى عن هذا القسم القبيح الكاذب ، وأمرهم بالطاعة المعروفة المعتادة لدى المؤمنين ، وهي النابعة من إخلاص القلب ، ولا حاجة بعدئذ إلى اليمين ، فإن اللّه خبير بما يعملون من الطاعة بالقول ، والمخالفة بالفعل .