وهبة الزحيلي

211

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

في الكشاف ، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه ، وحظر الجماع إلا ما استثني منه ، أي فالأصل في الفروج الحظر ، وفي النظر الإباحة . وتقديم الغض على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنى . أَزْكى خير وأطهر . إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ بالأبصار والفروج ، فيجازيهم عليه . يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال . وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ بالتستر أو التحفظ عن الزنى ، أي بحفظ فروجهن عما لا يحل لهن فعله بها . يُبْدِينَ يظهرن . زِينَتَهُنَّ كالحلي والثياب والأصباغ ، أو لا يظهرن مواضع الزينة لمن لا يحل أن تبدي له . إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم ، فإن في سترها حرجا . وقيل : المراد هو الوجه والكفان ، فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين ؛ لأنها ليست بعورة ، والوجه الثاني يحرم ؛ لأنه مظنة الفتنة . قال البيضاوي : والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر ، فإن كل بدن الحرة عورة ، لا يحل لغير الزوج والمحرم القريب النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة والتعليم والمعاملة وتحمل الشهادة . وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالخمار : وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، والجيوب : جمع جيب : وهو فتحة في أعلى الجلباب ( أو الثوب ) يبدو منها بعض الصدر . وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي الخفية ، أو مواضع الزينة ، وهي ما عدا الوجه والكفين ، وكرر ذلك لبيان من يحل له الإبداء ومن لا يحل له . إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أزواجهن ، جمع بعل : أي زوج ، فإنهم هم المقصودون بالزينة ، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدن الزوجة ، حتى الفرج مع الكراهة . أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ . . إلى قوله : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ رفعا للحرج بسبب كثرة المعاشرة والمخالطة والمداخلة ، وقلة توقع الفتنة من قبلهم ، لما في الطباع من النفرة عن مماسة الأقارب ، فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة ، فيحرم نظره لغير الأزواج . وخرج بقوله : نِسائِهِنَّ الكافرات ، فلا يجوز في رأي الجمهور للمسلمات الكشف أمامهن ؛ لأنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال . وأجاز الحنابلة ذلك ؛ لأن المراد جنس النساء أو كلهن . وما ملكت أيمانهن : هم العبيد والجواري ( الإماء ) . أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ الْإِرْبَةِ الحاجة إلى النساء ، أي غير أولي الحاجة إلى النساء ، وهم الشيوخ الهرمى الذين لا يحدث لهم انتشار ذكر ، وقيل : البله الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم ، ولا يعرفون شيئا من أمور النساء ، وفي المجبوب والخصي خلاف . أَوِ الطِّفْلِ الأطفال ، لعدم تمييزهم . لَمْ يَظْهَرُوا لم يطلعوا على عورات النساء للجماع ، ولم يعرفوا ذلك ؛ لعدم بلوغهم حد الشهوة أو لصغرهم ، فيجوز الإبداء لهم ما عدا ما بين السرة والركبة . و الطِّفْلِ جنس وضع موضع الجمع ، اكتفاء بدلالة الوصف ، أو أنه يطلق على الواحد والجمع .