وهبة الزحيلي
203
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والاستئذان واجب ولو كان الطارق أعمى ؛ لأن من عورات البيوت ما يدرك بالسمع ، وقد يتأذى أهل البيت بدخول الأعمى ، وأما الحديث المتقدم : « إنما جعل الاستئذان من أجل البصر » فهو بحسب الغالب المعتاد . ولا فرق في وجوب الاستئذان بين الرجال والنساء ، والمحارم وغير المحارم ؛ لأن الحكم عام ، ولو كان الزائر والدا أو ولدا ، قال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم - فيما رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار - : أأستأذن يا رسول اللّه على أمي ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « نعم » قال : ليس لها خادم غيري ، أأستأذن عليها كلما دخلت عليها ؟ قال : « أتحب أن تراها عريانة ؟ » قال : لا ، قال : « فاستأذن عليها » . و أخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود قال : « عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم » . و روى الطبري عن طاوس قال : « ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم » وعلى هذا يكون الاستئذان على المحارم واجبا وتركه غير جائز ، واستدل ابن عباس عن ذلك بقوله تعالى : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولم يفرق بين من كان أجنبيا أو ذا رحم محرم . وقوله تعالى : بُيُوتاً نكرة في سياق النهي فتفيد العموم الشامل للبيوت المسكونة وغير المسكونة ، لكن الآية التالية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ يقتضي حمل الآية الأولى على المسكونة فقط ، ويصير المعنى : أيها المخاطبون لا تدخلوا بيوتا مسكونة لغيركم حتى تستأنسوا . ثم ذكر تعالى حكمة الأمر بالاستئذان والسلام فقال : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني الاستئذان والسلام خير وأفضل للطرفين : المستأذن وأهل البيت ، من الدخول بغتة ، ومن تحية الجاهلية ، فقد كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته قال : حييتم صباحا ، وحييتم مساء ،