وهبة الزحيلي

202

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والظاهر أن الاستئذان متقدم على السلام ؛ لأن الأصل في الترتيب الذّكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي ، وبه قال بعض العلماء ، والجمهور على تقديم السلام على الاستئذان ، بدليل ما أخرجه الترمذي عن جابر رضي اللّه عنه : « السلام قبل الكلام » وما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال : لا يؤذن له حتى يسلم ، وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال : استأذن عمر رضي اللّه عنه على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « السلام على رسول اللّه ، السلام عليكم ، أيدخل عمر ؟ » . والسلام يكون أيضا ثلاثا كما أخرج الإمام أحمد عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال : « السلام عليك ورحمة اللّه » فقال سعد : وعليك السلام ورحمة اللّه ، ولم يسمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى سلم ثلاثا ، ورد عليه سعد ثلاثا . والحكمة من الاستئذان والسلام تحاشي الاطلاع على العورات ، بدليل ما رواه أبو داود عن هزيل قال : جاء رجل ( قال عثمان : سعد ) فوقف على باب النبي صلّى اللّه عليه وسلم يستأذن ، فقام على الباب ، - قال عثمان : مستقبل الباب - فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « هكذا عنك - أو هكذا - فإنما الاستئذان من النظر » و في الصحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن ، فخذفته بحصاة ، ففقأت عينه ، ما كان عليك من جناح » . والمراد من هذين الحديثين أن من أدب الاستئذان ألا يستقبل المستأذن الباب بوجهه ، وإنما يجعله عن يمينه أو شماله ، وألا ينظر إلى داخل البيت ، روي أن أبا سعيد الخدري استأذن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو مستقبل الباب ، فقال عليه الصلاة والسلام : « لا تستأذن وأنت مستقبل الباب » وذلك سواء أكان الباب مغلقا أم مفتوحا ؛ فإن الطارق قد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه .