وهبة الزحيلي
187
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وقال الماوردي وغيره : اختلفوا هل حدّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم أصحاب الإفك على قولين : أحدهما - أنه لم يحدّ أحدا من أصحاب الإفك ؛ لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو ببينة ، ولم يتعبّده اللّه أن يقيمها بإخباره عنها ، كما لم يتعبده بقتل المنافقين ، وقد أخبره بكفرهم . وعقب القرطبي على ذلك قائلا : وهذا فاسد مخالف لنص القرآن ؛ فإن اللّه عزّ وجلّ يقول : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً أي لم يأتوا بشهود أربعة على صدق قولهم . والقول الثاني - أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حدّ أهل الإفك عبد اللّه بن أبي ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش . قال القرطبي : المشهور من الأخبار ، والمعروف عند العلماء أن الذي حدّ : حسان ومسطح وحمنة ، ولم يسمع بحدّ لعبد اللّه بن أبي . وهذا - أي تعيين الذين حدّوا - رواه أبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها . وإنما لم يحد عبد اللّه بن أبي ؛ لأن اللّه تعالى قد أعدّ له في الآخرة عذابا عظيما ، فلو حدّ في الدنيا ، لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه ، مع أن اللّه تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي اللّه عنها ، وبكذب كل من رماها ، فقد حصلت فائدة الحد ، إذ مقصوده إظهار القاذف وبراءة المقذوف ، كما قال اللّه تعالى : فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ ، فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ . وإنما حدّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف ، حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم في الحدود من حديث عبادة بن الصامت الذي أخرجه مسلم بلفظ : « ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به ، فهو كفارة له » أي أن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه . 5 - على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا ببعضهم خيرا ، لذا عاتبهم اللّه تعالى بقوله : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً أي ببعضهم أو