وهبة الزحيلي

176

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالت : واللّه ، ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت - وأنا جارية حديثة السن ، لا أقرأ كثيرا من القرآن - : واللّه لقد علمت ، لقد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فلئن قلت لكم : إني بريئة - واللّه يعلم أني بريئة - لا تصدقونني ، ولئن اعترفت بأمر ، واللّه يعلم أني بريئة ، لتصدّقنّي ، إني واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ يوسف 12 / 18 ] . ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ، وأنا - واللّه أعلم حينئذ أني بريئة - وأن اللّه تعالى مبرئي ببراءتي ، ولكن واللّه ، ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللّه فيّ بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني اللّه بها . فو اللّه ما رام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل اللّه تعالى على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء « 1 » عند الوحي ، حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق ، وهو في يوم شات ، من ثقل القول الذي أنزل عليه . فسرّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : « أبشري يا عائشة ، أمّا اللّه عزّ وجلّ فقد برّأك » فقالت لي أمي : قومي إليه ، فقلت : واللّه لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا اللّه عزّ وجلّ ، هو الذي أنزل براءتي ، وأنزل اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآيات العشر كلها . فلما أنزل اللّه هذا في براءتي ، قال أبو بكر رضي اللّه عنه ، وكان ينفق على

--> ( 1 ) البرحاء : الشدة والانتفاضة من الجهد أو الألم .