وهبة الزحيلي
175
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي » . فقام سعد بن معاذ الأنصاري رضي اللّه عنه ، فقال : أنا أعذرك منه يا رسول اللّه ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ، ففعلنا أمرك . فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال لسعد بن معاذ : كذبت ، لعمر اللّه ، لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل . فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة ، كذبت ، لعمر اللّه لنقتلنّه ، فإنك منافق تجادل عن المنافق ، فتثاور الحيان : الأوس والخزرج ، حتى همّوا أن يقتتلوا ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على المنبر ، فلم يزل يخفّضهم حتى سكتوا ، وسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قالت : وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ، فبينما هما جالسان عندي ، وأنا أبكي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فسلّم ثم جلس ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء . فتشهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين جلس ، ثم قال : « أما بعد ، يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب ، فاستغفري اللّه ، وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ، وتاب ، تاب اللّه عليه » . فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقالته ، قلص دمعي ، حتى ما أحسّ منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول اللّه ، فقال : واللّه ما أدري ما أقول