وهبة الزحيلي

172

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أقبلت إلى رحلي ، فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع ظفار « 1 » قد انقطع . فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرّهط الذين كانوا يرحّلونني ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على البعير الذي كنت أركب ، وهم يحسبون أني فيه . وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ، ولم يغشهن اللحم ، إنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل ، وساروا ، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، فجئت منازلهم ، وليس بها داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أن القوم سيفقدونني ، فيرجعون إلي . فبينا أنا جالسة في منزلي ، غلبتني عيناي فنمت ، وكان صفوان بن المعطّل السّلمي ثم الذّكواني قد عرّس « 2 » من وراء الجيش ، فأدلج « 3 » ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني ، فعرفني حين رآني ، وقد كان رآني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه « 4 » حين عرفني ، فخمّرت وجهي بجلبابي ، واللّه ما كلمني كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة ، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا في نحر الظّهيرة « 5 » .

--> ( 1 ) الجزع : خرز معروف في سواده بياض كالعروق ، وظفار : مدينة باليمن . ( 2 ) التعريس : نزول القوم في السفر من آخر الليل للاستراحة في بقعة ، ثم يرتحلون . ( 3 ) أدلج : سار من أول الليل . ( 4 ) الاسترجاع : أن يقول : إنا للّه وإنا إليه راجعون . ( 5 ) وسط النهار عند الظهر أي وقت الظهيرة .