وهبة الزحيلي

75

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يا للتنبيه . قَبْلَ هذا الأمر ، استحياء من الناس ومخافة لومهم . نَسْياً ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب ، ككل شيء حقير من وتد وحبل . مَنْسِيًّا منسي الذكر ، وهو ما لا يخطر بالبال لتفاهته ، والمراد من الكلمتين : شيئا متروكا لا يعرف ولا يذكر . فَناداها مِنْ تَحْتِها أي عيسى ، وقيل : جبريل وكان أسفل منها أي من مكانها . وقيل : ضمير تَحْتِها عائد للنخلة . أَلَّا تَحْزَنِي أي لا تحزني أو بألا تحزني . سَرِيًّا جدولا أو نهر ماء ، هكذا روي مرفوعا ، وقيل : السري : السيد الشريف ، أي سيدا شريفا وهو عيسى . وَهُزِّي الهز : تحريك الشيء بعنف أو بدونه ، أو أميليه إليك أو افعلي الهز والإمالة به . بِجِذْعِ الباء مزيدة للتأكيد . تُساقِطْ تسقط . رُطَباً تمرا طازجا ناضجا . جَنِيًّا صالحا للاجتناء . فَكُلِي من الرطب . وَاشْرَبِي من السري - النهر . وَقَرِّي عَيْناً أي لتقر عينك به ، أي تسكن ، فلا تطمح إلى غيره . فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً أي إن تري آدميا ، فيسألك عن الولد . فَقُولِي أشيري إليهم ، قال الفراء : العرب تسمي كل ما أفهم الإنسان شيئا كلاما بأي طريق كان . نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا أو إمساكا عن الكلام في شأنه وشأن غيره من الناس ، بدليل : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا أي أحدا من الناس بعد ذلك ، أي بعد أن أخبرتكم عن نذري . التفسير والبيان : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أي فاضطرها وألجأها وجع الولادة وألم الطلق إلى الاستناد إلى جذع النخلة والتعلق به ، لتسهيل الولادة ، فتمنت الموت قبل ذلك الحال ، استحياء من الناس ، وخوفا أن يظن بها السوء في دينها ، أو أن تكون شيئا لا يبالي به ، ولا يعتد به أحد من الناس كالوتد والحبل ، أو لم تخلق ولم تك شيئا . قال ابن كثير : فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة ، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يصدقونها في خبرها ، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة ، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية . قال الزمخشري : أجاء منقول من جاء إلى معنى الإلجاء .