وهبة الزحيلي
76
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أي فناداها جبريل من تحت الأكمة أو من تحت النخلة ، وقيل : المنادي هو عيسى ، وقد أنطقه اللّه بعد وضعه تطييبا لقلبها وإيناسا لها ، قائلا : لا تحزني ، فقد جعل ربك تحتك جدولا أو نهرا صغيرا ، أجراه اللّه لها لتشرب منه . وقيل : المراد بالسريّ هنا عيسى ، والسريّ : السيد العظيم الخصال من الرجال . قال ابن عباس : المراد ب مِنْ تَحْتِها جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها . ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي للّه تعالى فيها مراد عظيم ، وهذا هو الأصح . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا أي حرّكي جذع النخلة ، تسقط عليك رطبا طريا طيبا ، صالحا للاجتناء والأكل من غير حاجة إلى تخمير وصناعة . وهذه آية أخرى ، قال الزمخشري ، كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ، ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة ، وكان الوقت شتاء . وقيل : كانت النخلة مثمرة . والمهم في الأمر : وجوب اتخاذ الأسباب لتحصيل الرزق ، والاعتقاد بأن الفاعل الحقيقي في تيسير الرزق هو اللّه تعالى ، وأنه على كل شيء قدير . وأما التفاصيل فلا يجب علينا أن نعتقد إلا بما أخبر به القرآن صراحة ، وأما الروايات فتحتاج إلى تثبت ودليل وسند صحيح . وما أحسن قول الشاعر : ألم تر أن اللّه أوحى لمريم * وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه * إليها ولكن كل شيء له سبب فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً أي فكلي من ذلك الرطب ، واشربي من ذلك الماء ، وطيبي نفسا ولا تحزني وقرّي عينا برؤية الولد النبي ، فإن اللّه قدير على صون سمعتك ، والإرشاد إلى حقيقة أمرك . قال عمرو بن ميمون : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ، ثم تلا هذه الآية الكريمة . وروى ابن أبي حاتم