وهبة الزحيلي

73

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وقال محمد بن إسحاق : فلما حملت به ، وملأت قلّتها ، ورجعت ، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب ( المرض والضعف ) والتوحم وتغير اللون ، حتى فطر لسانها ، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا ، وشاع الحديث في بني إسرائيل ، فقالوا : إنما صاحبها يوسف النجار ( وهو رجل صالح من قراباتها ، كان معها في المسجد يخدم معها البيت المقدس ) ولم يكن معها في الكنيسة غيره ، وتوارت من الناس ، واتخذت من دونهم حجابا ، فلا يراها أحد ولا تراه . ويحسن أن نذكر مقطعا من حوار بين يوسف النجار ومريم ، ذكره الثعلبي في العرائس عن وهب ، قال : أخبريني يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر ، وهل تنبت شجرة من غير غيث ، وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ، ألم تعلم أن اللّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ، وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن اللّه تعالى أنبت الشجرة من غير غيث ، وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر ، بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو تقول : إن اللّه تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها ؟ فقال يوسف : لا أقول هذا ، ولكني أقول : إن اللّه قادر على ما يشاء ، فيقول له : كن فيكون . فقالت له مريم : أو لم تعلم أن اللّه خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 21 / 201 - 202 .