وهبة الزحيلي
70
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تعالى خلق أبا البشر من غير أب ولا أم ، فهل سيكون هذا الولد مخلوقا بخلق اللّه ابتداء كآدم ، أم عن طريق زوج تتزوجه في المستقبل ؟ فأجابها بقوله : قالَ : كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ، وَرَحْمَةً مِنَّا ، وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت : إن اللّه قد قال : إنه سيوجد منك غلاما ، وإن لم يكن لك زوج ( بعل ) ولا من طريق الفاحشة ، فإنه على ما يشاء قادر ، وليجعل خلقه برهانا للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوّع في خلقهم ، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى فقط ، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى . ويجعل هذا الغلام أيضا رحمة من اللّه لعباده ، يبعثه نبيا من الأنبياء ، يدعو إلى عبادة اللّه تعالى وتوحيده ، وكان هذا الأمر مقدرا قد قدره اللّه في سابق علمه ، وجف به القلم ، فلا يغير ولا يبدّل . ونظير آخر الآية : كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران 3 / 47 ] ونظير القسم السابق له وهو : وَرَحْمَةً مِنَّا قوله سبحانه : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ : يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران 3 / 45 - 46 ] . ونظير قوله : وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قوله سبحانه : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها ، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم 66 / 12 ] . وحدث مراد اللّه تعالى :