وهبة الزحيلي

71

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا أي لما قال جبريل لها عن اللّه تعالى ما قال ، استسلمت لقضاء اللّه تعالى ، فنفخ جبريل في جيب درعها ( فتحة قميصها ) فنزلت النفخة في جوفها ، حتى ولجت فرجها ، فحملت بالولد بإذن اللّه تعالى ، فاعتزلت إلى مكان بعيد . والفاء وإن كانت للتعقيب ، لكن تعقيب كل شيء بحسبه . ولم يعيّن القرآن الكريم مدة الحمل ، إذ لا حاجة لمعرفتها ، لذا نرى أن حملها كان بحسب المعتاد بين النساء ، وهو تسعة أشهر قمرية . وإنما اتخذت المكان البعيد لا من أجل الوضع ، وإنما حياء من قومها ، وبعدا عن اتهامها بالريبة . فقه الحياة أو الأحكام : هذه بداية قصة السيدة مريم العذراء ، حكى فيها الحق سبحانه كيفية حملها بعيسى عليه السلام ، مبينا مقدمات ضرورية لإبراز عفتها وصونها . فهي قد اعتزلت أهلها شرقي البيت المقدس للانقطاع للعبادة وللخلوة مع اللّه ومناجاة ربها ، فأرسل اللّه إليها جبريل عليه السلام بصورة بشر تام الخلقة ؛ لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته الحقيقية الملكية ، ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر ، قد خرق عليها الحجاب ، ظنت أنه يريدها بسوء ، فتعوذت باللّه منه إن كان ممن يتقي اللّه . فأخبرها جبريل بأنه رسول من عند اللّه بعثه إليها ليهبها غلاما طاهرا نقيا من الذنوب والمعاصي ، وجعل الهبة من قبله ؛ لأنه الواسطة ورسول الاعلام بالهبة من قبله . روي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمّها . فتساءلت مريم عن وسيلة إيجاد الغلام ، لا استبعادا لقدرة اللّه تعالى ، ولكن أرادت معرفة كيفية تكوّن هذا الولد ، من قبل الزوج الذي تتزوجه في