وهبة الزحيلي

58

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

عليه السلام ناجى ربه ودعاه في محرابه في حال الخفاء وهو أولى ؛ لأنه أبعد عن الرياء ، وأقرب إلى الإخلاص ، ولئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة . 3 - قدّم زكريا عليه السلام على السؤال أمورا ثلاثة مثل حيثيات الحكم القضائي : أحدها - كونه ضعيفا ، والثاني - أن اللّه تعالى ما ردّ دعاءه مطلقا ، والثالث - كون المطلوب بالدعاء سببا في المنفعة الدينية . 4 - قال العلماء : يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم اللّه تعالى عليه ، وما يليق بالخضوع ؛ لأن قوله تعالى : وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي إظهار للخضوع . وقوله : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته ، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك ، وعوّدتني الإجابة فيما مضى . وقوله : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ حرص على مصلحة الدين ، فإن أقاربه كانوا مهملين للدين ، فخاف بموته أن يضيع الدين ، فطلب وليا يقوم بالدين من بعده ، لا أنه سأل من يرث ماله ؛ لأن الأنبياء لا تورث ؛ للحديث المتقدم في الصحيحين : « إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة » ، وفي سنن أبي داود : « إن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما ، ورّثوا العلم » فتكون الوراثة على لسان زكريا هي وراثة الدين ، وتكون مستعارة . وقد ورث يحيى من آل يعقوب النبوة والحكمة والعلم والدين ، كما أن سليمان ورث من داود الحكمة والعلم ، ولم يرث منه مالا خلّفه له بعده . 5 - قوله تعالى : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا سؤال ودعاء ، ولم يصرح بولد ، لشيخوخته وعقم امرأته ، قال قتادة : جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة . وقال مقاتل : خمس وتسعين سنة ، قال القرطبي : وهو أشبه ، فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره ؛ ولذلك قال : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا .