وهبة الزحيلي
54
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ويلاحظ أنه ذكر مسوغات ثلاثة لدعائه ، تستدعي العطف والرحمة والشفقة ، وهي : 1 - ضعف البدن باطنا وظاهرا ، أي ضعف العظام وظهور الشيب . 2 - كونه مستجاب الدعاء ، فلم يكن في وقت من الأوقات خائبا ، بل كان كلما دعا ربه أجابه . 3 - خوفه من ورثته من ضياع الدين وما يوحى إليه بعد موته ، ولم يكن خوفه من إرث المال ، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من الإشفاق على ماله ، ولأنه لم يكن ذا مال ، وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده ، ولأنه كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « لا نورث ، ما تركنا صدقة » و في رواية الترمذي : « نحن معشر الأنبياء لا نورث » ويكون ميراث الأنبياء هو وراثة النبوة أو العلم والمحافظة على الدين والدعوة إليه . فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي فامنحني وأعطني من جنابك وواسع فضلك وليا يلي أمر الدين ، يكون ولدا من صلبي يرثني النبوة ، وهذا ما أراده وإن لم يصرح به ، ويرث ميراث آل يعقوب وهي وراثة العلم والنبوة على الراجح لا وراثة المال ، كما تقدم ، فيرث ما عندهم من العلم ، ويقوم برعاية أمورهم في الدين ، واجعله يا رب برّا تقيا مرضيا عندك في أخلاقه وأفعاله ، ترضاه وتحبه أنت ويرضاه عبادك ويحبونه ، ليكون أهلا لحمل رسالة الدين وتعليمه وتبليغه وإقامة شعائره . ونظير الآية : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ، قالَ : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ [ آل عمران 3 / 38 ] ، وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ [ الأنبياء 21 / 89 ] . ويعقوب : هو إسرائيل ، وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران ، ويرجع نسبها إلى يعقوب ؛ لأنها