وهبة الزحيلي
299
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تعالى : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ، مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [ الإسراء 17 / 97 ] . قالَ : رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ؟ أي قال المعرض عن دين اللّه : يا ربّ ، لم حشرتني أعمى ، وقد كنت مبصرا في دار الدنيا ؟ فأجابه اللّه تعالى : كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا ، فَنَسِيتَها ، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى أي مثل ذلك فعلت أنت ، فكما تركت آياتنا وأعرضت عنها ولم تنظر فيها ، تترك في العمى والعذاب في النار ، ونعاملك معاملة المنسي ، كما قال تعالى : فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا [ الأعراف 7 / 51 ] فإن الجزاء من جنس العمل . قال ابن كثير : فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه ، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص ، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى ، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك . أخرج الإمام أحمد عن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « ما من رجل قرأ القرآن ، فنسيه إلا لقي اللّه يوم يلقاه ، وهو أجذم » « 1 » . وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى أي وهكذا نجازي ونعاقب المسرفين المكذبين بآيات اللّه في الدنيا والآخرة ، ولعذاب الآخرة في النار أشد ألما من عذاب الدنيا ، وأدوم عليهم ، فهم مخلدون فيه . قال تعالى : لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ، وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ [ الرعد 13 / 34 ] .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 3 / 169 .