وهبة الزحيلي

298

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لهذا تاب اللّه تعالى على آدم من معصيته ، فقال : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ، فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى أي ثم اصطفاه ربه وقرّبه إليه ، بعد أن تاب من المعصية واستغفر ربه منها ، وأنه قد ظلم نفسه ، فتاب اللّه عليه من معصيته ، وهداه إلى التوبة وإلى سواء السبيل ، كما قال تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ، فَتابَ عَلَيْهِ ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة 2 / 37 ] وقال هو وزوجه : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف 7 / 23 ] . قالَ : اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً ، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي قال اللّه تعالى لآدم وحواء : انزلا من الجنة إلى الأرض معا ، بعضكم يا معشر البشر في الدنيا عدو لبعض في أمر المعاش ونحوه ، مما يؤدي ذلك إلى وقوع الخصام والنزاع والاقتتال . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ، فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى أي فإن يأتكم أيها البشر مني هدى بواسطة الأنبياء والرسل وإنزال الكتب ، فمن اتبع الهدى ، فلا يضل عن الصواب في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة . قال ابن عباس : « ضمن اللّه تعالى لمن قرأ القرآن ، وعمل بما فيه ، ألا يضلّ في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، وتلا الآية » . وقال أيضا : « من قرأ القرآن ، واتّبع ما فيه ، هداه اللّه من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، ثم تلا الآية » . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً أي ومن أدبر عن ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه ، فإن له في هذه الدنيا عيشا ضيقا ، ومعيشة شديدة منغصة ، إما بشح المادة وإما بالقلق والهموم والأمراض . وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى أي ونحشره ونبعثه في الآخرة مسلوب البصر ، أو أعمى عن الجنة وطريق النجاة ، أو أعمى البصر والبصيرة ، كما قال