وهبة الزحيلي

271

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

كلام موسى فيه . وكادوا أن يقتلوا هارون عليه السلام . وما قصدهم إلا التسويف . قالَ : يا هارُونُ ، ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ ، أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي أي قال موسى لهارون حين رجع إلى قومه بعد تكليم ربه في الميقات : ما الذي منعك من اتباعي إلى جبل الطور ، واللحوق بي مع من بقي مؤمنا ، فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع ، حين وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة ؟ ففي مفارقتهم زجر لهم ، ودليل على الغضب والإنكار عليهم . و أَلَّا في قوله أَلَّا تَتَّبِعَنِ زائدة ، أي أن تتبع أمري ووصيتي . أفعصيت أمري ؟ أي كيف خالفت أمري لك بالقيام لله ، ومنابذة من خالف دينه ، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها ؟ ألم أقل لك : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ، وَأَصْلِحْ ، وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف 7 / 142 ] . فقال هارون معتذرا عن تأخره عنه وإخباره بما حدث ، مستعطفا إياه : قالَ : يَا بْنَ أُمَّ ، لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي أي قال هارون لموسى : يا ابن أم ، مترققا له بذكر الأم التي هي عنوان الحنو والعطف ، مع أنه شقيفه لأبويه ، لا تفعل هذا عقوبة منك لي ، وكان موسى قد أخذ برأس أخيه يجره إليه ، فإن لي عذرا هو : إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ : فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ، وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي أي إني خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يقتتلوا ويتفرقوا ، فتقول : إني فرقت جماعتهم ؛ لأنه لو خرج لتبعه جماعة منهم ، وتخلف مع السامري عند العجل آخرون ، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم ، وحينئذ تقول : لم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها ، وهي قوله المتقدم : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ولم تراع ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم ، واعتذر إليه أيضا بقوله في آية أخرى :