وهبة الزحيلي

22

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وغيره . خَيْرٌ من الخرج الذي تجعلونه لي ، فلا حاجة بي إليه ، وأجعل لكم السد تبرعا . فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي بما يتقوى به على المقصود من الآلات والناس التي أطلبها منكم . رَدْماً أي حاجزا حصينا ، وهو أكبر من السد وأوثق . زُبَرَ الْحَدِيدِ قطعه ، جمع زبرة كغرفة ، وهي القطعة العظيمة أو الكبيرة التي يبنى بها ، فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم . حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساويا لهما في العلو ، والصدفان : واحدها صدف وهو جانب الجبل . قالَ للعمال . انْفُخُوا بالكيران في زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين ، فنفخوا . حَتَّى إِذا جَعَلَهُ أي الحديد . ناراً كالنار اشتغالا وتوهجا . قالَ : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً نحاسا مذابا ، أي صبّ النحاس المذاب على الحديد المحمي ، فالتصق بعضه ببعض ، وسد فجوات الحديد ، وصار جبلا صلدا وشيئا واحدا . فَمَا اسْطاعُوا أي يأجوج ومأجوج . أَنْ يَظْهَرُوهُ أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وملاسته . وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً خرقا لصلابته وسمكه . قالَ : هذا قال ذو القرنين : هذا السد ، أي بناؤه وتسويته . رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي أثر رحمة أو نعمة على عباده ؛ لأنه مانع من خروجهم . فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي وقت وعده بقيام الساعة ، أو وقت خروج يأجوج ومأجوج من وراء السد . جَعَلَهُ دَكَّاءَ أو دكا مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض . أطلق المصدر وأريد اسم المفعول ، ودكه : بهدمه منهم أو من غيرهم . وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا أي وكان وعد ربي بخروجهم وغيره كائنا لا محالة . وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ الضمير عائد إلى يأجوج ومأجوج . يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أي وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد ، يموجون ، بعضهم في بعض ، ويختلطون مع بعضهم لكثرتهم ، مزدحمين في البلاد . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي القرن لقيام الساعة أو البعث . فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً أي جمعنا الخلائق في مكان واحد يوم القيامة للحساب والجزاء . المناسبة : سبق لدينا عند بيان سبب نزول قصة أصحاب الكهف ، أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن قصة أصحاب الكهف ، وعن قصة ذي القرنين ، وعن الروح ، والمشهور أن السائلين قريش . وذو القرنين : هو الإسكندر اليوناني ، كما ذكر ابن إسحاق ، وقال وهب : هو رومي ، وهو خطأ .