وهبة الزحيلي
23
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة ، وردت بعد قصة أصحاب الكهف ، وقصة صاحبي الجنة ، وقصة أمر الملائكة بالسجود لآدم وإباء إبليس . التفسير والبيان : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، قُلْ : سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً أي ويسألك اليهود وقريش يا محمد عن خبر ذي القرنين ، سؤال اختبار وتعنت ، فقل لهم : سأخبركم عنه خبرا مذكورا في القرآن بطريق الوحي المتلو المنزّل علي من ربي . وقد تقدم أن كفار مكة بعثوا إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقالوا : سلوه عن رجل طواف في الأرض ، وعن فتية ما يدرى ما صنعوا ، وعن الروح ، فنزلت سورة الكهف . وذو القرنين : قيل : هو إسكندر بن فيلبس المقدوني اليوناني « 1 » الذي ملك الدنيا بأسرها قبل الميلاد بنحو 330 سنة باني الإسكندرية ، وتلميذ أرسطو الفيلسوف المعلّم الأول ، حارب الفرس ، واستولى على ملك دارا وتزوج ابنته ، ثم سافر إلى الهند وحارب هناك ، ثم حكم مصر ، وإنما سمي ذا القرنين ؛ لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها ، وقرن الشمس من مغربها ، فغلب على أكثر البلاد شرقا وغربا ، قال الشوكاني : « وهذا مشكل ؛ لأنه كان كافرا وتلميذ أرسطو » والظاهر أنه عبد صالح أعطاه اللّه ملكا واسعا ، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً أي إنا أعطيناه ملكا عظيما ، ومكّناه فيه من جميع ما يؤتى الملوك من السلطة المطلقة المدعمة بالجنود
--> ( 1 ) والصحيح أنه أبو كرب الحميري ، واسمه أبو بكر بن إفريقش ، من الدولة الحميرية ( من سنة 115 ق . م - 552 ب . م ) التي يسمّى ملوكها بالتبابعة جمع تبّع . والصحيح المروي عن ابن عباس أن ذا القرنين كان ملكا صالحا ، انظر مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 8 / 216 .