وهبة الزحيلي

21

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

العين الحمئة هو في مجرد رأي العين ، وإلا فهي أعظم من الدنيا وأكبر ، كما هو معروف . وَوَجَدَ عِنْدَها عند تلك العين الحمئة . قَوْماً كافرين . قُلْنا : يا ذَا الْقَرْنَيْنِ أي ألهمناه بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان . إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ القوم بالقتل على كفرهم . وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً أي أمرا ذا حسن بالإرشاد وتعليم الشرائع ، وقيل : خيّر بين القتل والأسر . قالَ أي ذو القرنين مختارا الدعوة . أَمَّا مَنْ ظَلَمَ بالشرك والإصرار على الكفر . فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ نقتله . نُكْراً أي منكرا فظيعا ، أو شديدا في النار . فَلَهُ في الدارين . الْحُسْنى أي الجنة ، أو المثوبة وهو مبتدأ ، خبره فَلَهُ وجزاء : حال أي مجزيا بها ، ومن قرأ : فله جزاء الحسنى ، فالإضافة للبيان أي المثوبة الحسنى . وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً اليسر : السهل الميسر غير الشاق ، أي نأمره بما يسهل عليه . ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً نحو المشرق . مَطْلِعَ الشَّمْسِ موضع طلوعها . تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ هم الزنج . مِنْ دُونِها من دون الشمس . سِتْراً من اللباس أو البناء أو السقف ؛ لأن أرضهم لا تتحمل الأبنية ، ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ، ويظهرون عند ارتفاعها . كَذلِكَ أي إن أمر ذي القرنين كما وصفنا من بلوغه المشرق والمغرب . وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً أي وقد اطلعنا علما على ما عند ذي القرنين من الآيات والجند وغيرهما ، مما يتعلق بظواهره وخفاياه ، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير . ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب ، آخذا من الجنوب إلى الشمال . بَيْنَ السَّدَّيْنِ بين الجبلين المبني بينهما سدة ، وهما جبلا أرمينية وأذربيجان ، وقيل : جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع بلاد الترك ، من ورائهما يأجوج ومأجوج . مِنْ دُونِهِما أمامهما . يَفْقَهُونَ قَوْلًا يفهمون قولا إلا بعد بطء ، أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم . قالُوا أي مترجموهم . إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هما اسمان أعجميان لقبيلتين ، فهما ممنوعان من الصرف ، وهما قبيلتان من ولد يافث بن نوح . يأجوج : هم التتر ، ومأجوج : هم المغول ، وأصلهما من أب واحد يسمى ترك وكانوا يسكنون الجزء الشمالي من آسيا ، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي ، وتنتهي غربا ببلاد التركستان . مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي في أرضنا بالنهب والبغي والقتل والتخريب عند خروجهم إلينا ، قيل : كانوا يخرجون في الربيع ، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ، ولا يابسا إلا احتملوه . وقيل : كانوا يأكلون الناس ، والأصح أن يأجوج ومأجوج قوم جبارون أشداء ، يمر أوائلهم على بحيرة طبرية ، يبعثهم اللّه في عهد نزول عيسى ، كما جاء في صحيح مسلم وشرحه للنووي 18 / 68 . فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً جعلا من المال نتبرع به من أموالنا ، وقرئ : ( خراجا ) والخراج : ما لزم أداؤه . سَدًّا حاجزا ، فلا يصلون إلينا . ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي من المال