وهبة الزحيلي

145

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

3 - ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا أي لننتزعن ونأخذن من كل فرقة دينية أو طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم وأكثرهم تكبرا وتجاوزا لحدود اللّه ، وهم قادتهم ورؤساؤهم في الشر . فهذه وجوه التهديد : أولها - الحشر مع الشياطين ، وثانيها - الإحضار قعودا حول جهنم في صورة الذليل العاجز ، وثالثها - تمييز البعض من البعض ، فمن كان أشدهم تمردا في كفره ، خص بعذاب أعظم ، كما قال تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ [ النحل 16 / 88 ] وقال : وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ العنكبوت 29 / 13 ] . ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى نار جهنم ، ويخلد فيها ، وبمن يستحق تضعيف العذاب ، كما قال سبحانه : لِكُلٍّ ضِعْفٌ ، وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف 7 / 38 ] . ثم أخبر اللّه تعالى عن ورود الناس جميعا نار جهنم ، فقال : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا أي ما منكم من أحد من الناس إلا سوف يرد إلى النار ، والورود : هو المرور على الصراط ، كان ذلك المرور أمرا محتوما ، قد قضى سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا محالة . وقيل : الورود : الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها ، وهو موضع المحاسبة ، وقيل : الورود : الدخول ، لحديث : « الورود الدخول ، لا يبقى برّ ولا فاجر ، إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ، كما كانت على إبراهيم » . والأصح أن الورود : المرور ، للحديث التالي : روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : يرد الناس جميعا الصراط ، وورودهم قيامهم حول النار ، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم ، فمنهم من يمر مثل