وهبة الزحيلي
10
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لِنُرِيَهُ فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم ، لتعظيم تلك البركات الدينية والدنيوية والآيات . وَآتَيْنا مُوسَى التفات أيضا عن الغيبة إلى الحضور . المفردات اللغوية : سُبْحانَ اسم علم كعثمان للرجل بمعنى التسبيح ( المصدر ) الذي هو التنزيه عن كل صفات العجز والنقص ، مما لا يليق بجلال اللّه وكماله أَسْرى وسرى : سار بالليل خاصة ، وكان ذلك قبل الهجرة بسنة ، وحكمة الإسراء لبيت المقدس : أنه مجمع أرواح الأنبياء ، وموطن نزول الوحي على الرسل والأنبياء ، فشرفه اللّه بزيارته ، وصلى بالأنبياء إماما . بِعَبْدِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، والعبد يشمل الروح والجسد معا ، وقد وصفه اللّه هنا بالعبودية ؛ لأنه أشرف المقامات ، كما وصفه في مقام الوحي بالوصف نفسه : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ النجم 53 / 10 ] وكذلك وصفه بالوصف ذاته في مقام الدعوة : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجن 72 / 19 ] . لَيْلًا فائدة ذكره : الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي مسجد مكة بعينه ؛ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان ، إذ أتاني جبريل بالبراق » . أو المراد به الحرم المكي كله أي مكة ، وسماه المسجد الحرام ؛ لأن كله مسجد ، لما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان نائما في بيت أم هانئ ، بعد صلاة العشاء ، فأسري به ورجع من ليلته ، وقص القصة عليها ، وقال : « مثل لي النبيون ، فصليت بهم » . الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بيت المقدس ، ووصف بالأقصى ، لبعده بالنظر لمن هو في الحجاز الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ببركات الدين والدنيا ؛ لأنه مهبط الوحي ، ومتعبد الأنبياء من لدن موسى عليه السلام ، ومحفوف بالأنهار والأشجار والثمار لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا عجائب قدرتنا ، كذهابه في برهة من الليل ، مسيرة شهر ، ومشاهدته بيت المقدس ، وتمثل الأنبياء عليهم السلام له ، ووقوفه على مقاماتهم السَّمِيعُ لأقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلم الْبَصِيرُ بأفعاله ، فيكرمه ويقربه على حسب ذلك ، فاجتمع بالأنبياء ، وعرج إلى السماء ، ورأى عجائب الملكوت ، وناجى ربه تعالى . وقال ابن عطية : هذا وعيد من اللّه للكفار على تكذيبهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم في أمر الإسراء ، أي هو السميع لما تقولون ، البصير بأفعالكم . وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة أَلَّا تَتَّخِذُوا أي لئلا تتخذوا ، أو بألا تتخذوا ، أو على ألا تتخذوا ، ومن قرأ بالياء فهو بمعنى : لئلا يتخذوا وَكِيلًا ربا أو كفيلا يفوضون إليه أمرهم ، دون غيره مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً كثير الشكر ، يحمد اللّه تعالى في جميع أحواله .