وهبة الزحيلي
11
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
سبب نزول آية الإسراء : ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لقريش الإسراء به وتكذيبهم له ، فأنزل اللّه ذلك تصديقا له . فبعد أن عاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الإسراء والمعراج ، خرج إلى المسجد الحرام ، وأخبر به قريشا ، فتعجبوا منه لاستحالة ذلك في نظرهم ، وارتد ناس ممن آمن به ، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : إن كان قال ، لقد صدق ، فقالوا : تصدقه على ذلك ؟ قال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك ، فسمي « الصديق » . واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس ، فجلّي له ، فطفق ينظر إليه ، وينعته لهم ، فقالوا : أما النعت فقد أصاب ، فقالوا : أخبرنا عن عيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ، وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس ، يقدمها جمل أورق « 1 » ، فخرجوا ينشدون العير إلى الثنية ، فصادفوا العير ، كما أخبر ، ثم لم يؤمنوا ، وقالوا : ما هذا إلا سحر مبين . رأي العلماء في الحادث : الأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس ، ثم عرج به إلى السماوات ، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ، ولذلك تعجبت قريش واستحالوه . قال أبو حيان : والظاهر أن هذا الإسراء كان بشخصه ، ولذلك كذبت قريش ، وشنعت عليه ، وحين قص ذلك على أم هانئ قالت : لا تحدّث الناس بها ، فيكذبوك ، ولو كان مناما ، ما استنكر ذلك ، وهو قول جمهور أهل العلم ، وهو الذي ينبغي أن يعتقد . وحديث الإسراء مروي في المسانيد عن الصحابة في كل أقطار الإسلام ، وذكر أنه رواه عشرون من الصحابة « 2 » .
--> ( 1 ) الجمل الأورق من الإبل : الذي في لونه بياض إلى سواد ، وهو أطيب الإبل لحما ، وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره . ( 2 ) البحر المحيط : 6 / 5 .