وهبة الزحيلي
16
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
لا ننزل الملائكة إلا بحق وحكمة ومصلحة نعلمها ، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ، وهم من غير جنسكم ولا على صورتكم فيلتبس الأمر عليكم ؛ إذ لكل جنس هاد من جنسه ، كما قال تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً ، لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ الأنعام 6 / 9 ] . وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي ولو نزلنا الملائكة لكان ذلك إنزالا للهلاك والعذاب ، وما أخر عنهم العذاب ساعة ؛ لأن سنتنا أننا إذا أنزلنا آية كما يقترح الناس ولم يؤمنوا بها ، أتبعنا ذلك بعذاب الاستئصال ، فكان في إنزال الملائكة ضررا محققا لهم ، لا نفعا . ثم أجابهم اللّه تعالى عن المقالة الأولى بقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ . . أي أنه تعالى هو الذي أنزل عليه الذّكر وهو القرآن ، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل ، فقولوا : إنه مجنون ، ونقول : نحن منزلوا القرآن وحافظوه . وتلك خصوصية للقرآن ، فإنه تعالى تكفل وحده بحفظه وصونه ، على مدى الدهر ، بخلاف الكتب السابقة التي أمر بحفظها الأحبار والرهبان ، فعبثوا بها وغيروها وبدلوها ، بل إن أصلها قد فقد وضاع ، فلم يعرف لها أثر ؛ قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ ، بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ ، وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [ المائدة 5 / 44 ] . ثم قال اللّه تعالى مسليا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في تكذيب بعض كفار قريش : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ . . أي إنا أرسلنا قبلك رسلا للأمم الماضية وشيعها وطوائفها وفرقها ، ولكن ما أتاهم من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به وكفروا برسالته ، فقوله : وَما يَأْتِيهِمْ حكاية حال ماضية ؛ لأن