وهبة الزحيلي

17

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ما لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال ، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال . ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا ، واستكبروا عن اتباع الهدى ، فإن مثل ذلك التكذيب والكفر الذي أدخل في قلوب المجرمين السابقين ، ندخله في قلوب المجرمين الجدد ، فضمير نَسْلُكُهُ عائد إلى الشرك . ويصح عوده إلى الذكر ( القرآن ) أي مثل ذلك الإدخال ندخل القرآن ونلقيه في قلوبهم مكذبا مستهزءا به غير مقبول ، حالة كونهم غير مؤمنين به أبدا . وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي مضت السنة المتبعة في الماضين ، وهو أنه تعالى يهلك ويدمر كل من كذّب رسله ، ويعلم بهم ، وينجي اللّه الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة ، فلك يا محمد أسوة بالرسل قبلك مع أممهم المكذبة . وبعبارة أخرى : سنفعل بالمجرمين اللاحقين كما فعلنا بالسابقين ، وسننصر الرسل والمؤمنين . ثم يخبر اللّه تعالى عن شدة عنادهم وتمكن كفرهم في نفوسهم ومكابرتهم للحق ، فقال : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً . . أي لو فتحنا على هؤلاء المعاندين بابا من السماء ، فجعلوا يصعدون فيه أو تصعد فيه الملائكة ، لما صدقوا بذلك ، بل قالوا : إنما منعت وسدت أبصارنا من الإبصار ، وقد شبّه علينا ، واختلطت الأمور في أذهاننا ، وأصبحنا لا نرى إلا أخيلة ، كالقوم المسحورين سحرنا محمد بآياته ، نحو قوله تعالى : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [ الأنعام 6 / 7 ] . والمعنى : بلغ من عناد المشركين أنهم لو صعدوا في السماء حقيقة ، ورأوا من العيان ما رأوا ، لقالوا : هذه أوهام وأخيلة ، وقد سحرنا محمد ، كما يفعل عالم السيمياء ، أو المنوم المغناطيسي . وفي الآية دليل على وجود الظلام في الفضاء الخارجي .