الغزالي

8

إحياء علوم الدين

الدابة . وإن أثّر فله درجات بحسب ظهور أثره . فإن لم يحمل إلا على العفة وهي الكف عن مقتضى الشهوات ، فله درجة . فإذا أثمر الورع ، فهو أعلى . وأقصى درجاته أن يثمر درجات الصديقين ، وهو أن يسلب الظاهر والباطن عما سوى الله تعالى ، حتى لا يبقى لغير الله تعالى فيه متسع . فهذه أقصى ما يحمد منه . وذلك مع بقاء الصحة والعقل . فإن جاوز هذا إلى إزالة العقل والصحة ، فهو مرض يجب علاجه إن قدر عليه . ولو كان محمودا لما وجب علاجه بأسباب الرجاء وبغيره حتى يزول . ولذلك كان سهل رحمة الله يقول للمريدين الملازمين للجوع أياما كثيرة : احفظوا عقولكم ، فإنه لم يكن لله تعالى وليّ ناقص العقل بيان أقسام الخوف بالإضافة إلى ما يخاف منه اعلم أن الخوف لا يتحقق إلا بانتظار مكروه . والمكروه إما أن يكون مكروها في ذاته كالنار . وإما أن يكون مكروها لأنه يفضي إلى المكروه ، كما تكره المعاصي لأدائها إلى مكروه في الآخرة ، كما يكره المريض الفواكه المضرة لأدائها إلى الموت . فلا بد لكل خائف من أن يتمثل في نفسه مكروها من أحد القسمين ، ويقوى انتظاره في قلبه ، حتى يحرق قلبه بسبب استشعاره ذلك المكروه . ومقام الخائفين يختلف فيما يغلب على قلوبهم من المكروهات المحذورة فالذين يغلب على قلوبهم ما ليس مكروها لذاته بل لغيره ، كالذين يغلب عليهم خوف الموت قبل التوبة ، أو خوف نقض التوبة ونكث العهد ، أو خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله تعالى ، أو خوف زوال رقة القلب وتبدلها بالقساوة ، أو خوف الميل عن الاستقامة أو خوف استيلاء العادة في اتباع الشهوات المألوفة ، أو خوف أن يكله الله تعالى إلى حسناته التي اتكل عليها وتعزّز بها في عباد الله ، أو خوف البطر بكثرة نعم الله عليه ، أو خوف الاشتغال عن الله بغير الله ، أو خوف الاستدراج بتواتر النعم ، أو خوف انكشاف غوائل طاعاته حيث يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب ، أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة ، والخيانة . والغش ، وإضمار السوء ، أو خوف ، ما لا يدرى أنه يحدث في بقية عمره ، أو خوف تعجيل العقوبة في الدنيا والافتضاح قبل الموت ، أو خوف الاغترار بزخارف الدنيا