الغزالي

9

إحياء علوم الدين

أو خوف اطلاع الله على سربرته في حال غفلته عنه ، أو خوف الختم له عند الموت بخاتمة السوء ، أو خوف السابقة التي سبقت له في الأزل ، فهذه كلها مخاوف العارفين ولكل واحد خصوص فائدة ، وهو سلوك سبيل الحذر عما يفضي إلى المخوف . فمن يخاف استيلاء العادة عليه فيواظب على الفطام عن العادة . والذي يخاف من اطلاع الله تعالى على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس . وهكذا إلى بقية الأقسام وأغلب هذه المخاوف على اليقين خوف الخاتمة ، فإن الأمر فيه مخطر . وأعلى الأقسام وأدلها على كمال المعرفة خوف السابقة ، لأن الخاتمة تتبع السابقة ، وفرع يتفرع عنها بعد تخلل أسباب كثيرة . فالخاتمة تظهر ما سبق به القضاء في أم الكتاب ، والخائف من الخاتمة بالإضافة إلى الخائف من السابقة ، كرجلين وقّع الملك في حقهما بتوقيع ، يحتمل أن يكون فيه حز الرقبة ، ويحتمل أن يكون فيه تسليم الوزارة إليه . ولم يصل التوقيع إليهما بعد . فيرتبط قلب أحدهما بحالة وصول التوقيع ونشره ، وأنه عما ذا يظهر ، ويرتبط قلب الآخر بحالة توقيع الملك وكيفيته ، وأنه ما الذي خطر له في حال التوقيع من رحمة أو غضب . وهذا التفات إلى السبب ، فهو أعلى من الالتفات إلى ما هو فرع . فكذلك الالتفات إلى القضاء الأزلي الذي جرى بتوقيعه القلم ، أعلى من الالتفات إلى ما يظهر في الأبد . وإليه أشار النبي صلَّى الله عليه وسلم حيث كان على المنبر ، فقبض كفه اليمنى ثم قال [ 1 ] هذا كتاب الله كتب فيه أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم ولا ينقص « ثم قبض كفه اليسرى وقال » هذا كتاب الله كتب فيه أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم ولا ينقص وليعملن أهل السعادة بعمل أهل الشقاوة حتى يقال كأنهم منهم بل هم هم ثم يستنقذهم الله قبل الموت ولو بفواق « 1 » ناقة وليعملن أهل الشقاوة بعمل أهل السعادة حتى يقال كأنهم منهم بل هم هم ثم يستخرجهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله والأعمال بالخواتيم « . وهذا كانفسام الخائفين إلى من بخاف معصيته وجنايته وإلى من يخاف

--> « 1 » الفواق : هو ما بين الحلبتين من الراحة ، وتضم فاؤه وتفتح