الغزالي
88
إحياء علوم الدين
منه في المعيشة ، وكان قصده أن يسلك سبيل الدين ، ويستعين به عليه ، فحال الوجود أفضل . لأن الفقر يشغله بالطلب . وطالب القوت لا يقدر على الفكر والذكر إلا قدرة مدخولة بشغل . والمكفي هو القادر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم « اللَّهمّ اجعل فوت آل محمّد كفافا » وقال « كاد الفقر أن يكون كفرا » أي الفقر مع الاضطرار فيما لا بد منه وإن كان المطلوب فوق الحاجة ، أو كان المطلوب قدر الحاجة ولكن لم يكن المقصود الاستعانة به على سلوك سبيل الدين ، فحالة الفقر أفضل وأصلح ، لأنهما استويا في الحرص وحب المال ، واستويا في أن كل واحد منهما ليس يقصد به الاستعانة على طريق الدين ، واستويا في أن كل واحد منهما ليس يتعرض لمعصية بسبب الفقر والغنى ، ولكن افترقا في أن الواجد يأنس بما وجده فيتأكد حبه في قلبه ، ويطمئن إلى الدنيا ، والفاقد المضطر يتجافى قلبه عن الدنيا ، وتكون الدنيا عنده كالسجن الذي يبغى الخلاص منه . ومهما استوت الأمور كلها ، وخرج من الدنيا رجلان ، أحدهما أشد ركونا إلى الدنيا فحاله أشد لا محالة ، إذ يلتفت قلبه إلى الدنيا ، ويستوحش من الآخرة ، بقدر تأكد أنسه بالدنيا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنّك مفارقه » وهذا تنبيه على أن فراق المحبوب شديد . فينبغي أن تحب من لا يفارقك وهو الله تعالى ولا تحب ما يفارقك وهو الدنيا . فإنك إذا أحببت الدنيا كرهت لقاء الله تعالى ، فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه ، وفراقك لما تحبه . وكل من فارق محبوبا فيكون أذاه في فراقه بقدر حبه وقدر أنسه به . وأنس الواجد للدنيا القادر عليها أكثر من أنس الفاقد لها ، وإن كان حريصا عليها . فإذا قد انكشف بهذا التحقيق أن الفقر هو الأشرف ، والأفضل والأصلح لكافة الخلق إلا في موضعين : أحدهما غنى مثل غنى عائشة رضي الله عنها ، يستوي عنده الوجود والعدم ، فيكون الوجود مزيدا له ، إذ يستفيد به أدعية الفقراء والمساكين وجمع همهم ، والثاني : الفقر عن مقدار الضرورة ، فإن ذلك يكاد أن يكون كفرا ، ولا خير فيه بوجه من الوجوه ، إلا إذا كان وجوده يبقى حياته ، ثم يستعين بقوته وحياته على الكفر والمعاصي ، ولو مات جوعا لكانت معاصيه أقل ، فالأصلح له أن يموت جوعا ولا يجد ما يضطر إليه أيضا