الغزالي
89
إحياء علوم الدين
فهذا تفصيل القول في الغنى والفقر . ويبقى النظر في فقير حريص متكالب على طلب المال ، ليس له همّ سواه ، وفي غنيّ دونه في الحرص على حفظ المال . ولم يكن تفجعه بفقد المال لو فقده كتفجع الفقير بفقره ، فهذا في محل النظر . والأظهر أن بعدهما عن الله تعالى بقدر قوة تفجعهما لفقد المال ، وقربهما بقدر ضعف تفجعهما بفقده ، والعلم عند الله تعالى فيه بيان آداب الفقير في فقره اعلم أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ، ومخالطته وأفعاله ، ينبغي أن يراعيها . فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه الله تعالى به من الفقر . أعنى أنه لا يكون كارها فعل الله تعالى من حيث إنه فعله ، وإن كان كارها للفقر . كالمحجوم يكون كارها للحجامة لتألمه بها ، ولا يكون كارها فعل الحجام ، ولا كارها للحجام . بل ربما يتقلد منه منّة . فهذا أقل درجاته ، وهو واجب ، ونقيضه حرام ومحبط ثواب الفقر . وهو معنى قوله عليه السلام « يا معشر الفقراء أعطوا الله الرّضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلَّا فلا » وأرفع من هذا أن لا يكون كارها للفقر ، بل يكون راضيا به وأرفع منه أن يكون طالبا له ، وفرحا به ، لعلمه بغوائل الغنى ، ويكون متوكلا في باطنه على الله تعالى ، واثقابه في قدر ضرورته أنه يأتيه لا محالة ، ويكون كارها الزيادة على الكفاف وقد قال علي كرم الله وجهه : إن لله تعالى عقوبات بالفقر ، ومثوبات بالفقر . فمن علامات الفقر . إذا كان مثوبة ، أن يحسّن عليه خلقه ، ويطيع به ربه ، ولا يشكو حاله ، ويشكر الله تعالى على فقره . ومن علاماته إذا كان عقوبة ، أن يسوء عليه خلقه ، ويعصى ربه بترك طاعته ، ويكثر الشكاية ، ويتسخط القضاء وهذا يدل على أن كل فقير فليس بمحمود . بل الذي لا يتسخّط ويرضى ، أو يفرح بالفقر ويرضى لعلمه بثمرته . إذ قيل ما أعطي عبد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث : شغل ، وهم ؟ وطول حساب م 12 : ثالث عشر إحياء