الغزالي
87
إحياء علوم الدين
إن سالك الطريق إلى الله تعالى قبل أن يقطع الطريق تصير الأسماء التسعة والتسعون أوصافا له . أي يكون له من كل واحد نصيب وأما التكبر فلا يليق بالعبد ، فإن التكبر على من لا يستحق التكبر عليه ليس من صفات الله تعالى . وأما التكبر على من يستحقه ، كتكبر المؤمن على الكافر ، وتكبر العالم على الجاهل والمطيع على العاصي ، فيليق به . نعم قد يراد بالتكبر الزهو ، والصلف ، والإيذاء ، وليس ذلك من وصف الله تعالى . وإنما وصف الله تعالى أنه أكبر من كل شيء ، وأنه يعلم أنه كذلك . والعبد مأمور بأنه يطلب أعلى المراتب إن قدر عليه ، ولكن بالاستحقاق كما هو حقه ، لا بالباطل والتلبيس . فعلى العبد أن يعلم أن المؤمن أكبر من الكافر ، والمطيع أكبر من العاصي ، والعالم أكبر من الجاهل ، والإنسان أكبر من البهيمة والجماد والنبات وأقرب إلى الله تعالى منها . فلو رأى نفسه بهذه الصفة رؤية محققة لا شك فيها ، لكانت صفة التكبر حاصلة له ، ولائقة به ، وفضيلة في حقة . إلا أنه لا سبيل له إلى معرفته ، فإن ذلك موقوف على الخاتمة ، وليس يدرى الخاتمة كيف تكون ، وكيف تتفق فلجهله بذلك وجب أن لا يعتقد لنفسه رتبة فوق رتبة الكافر ، إذ ربما يختم للكافر بالإيمان ، وقد يختم له بالكفر فلم يكن ذلك لائقا به لقصور علمه عن معرفة العاقبة ولما تصوّر أن يعلم الشيء على ما هو به ، كان العلم كما لا في حقه ، لأنه في صفات الله تعالى ولما كانت معرفة بعض الأشياء قد تضره ، صار ذلك العلم نقصانا في حقه . إذ ليس من أوصاف الله تعالى علم يضره ، فمعرفة الأمور التي لا ضرر فيها هي التي تتصوّر في العبد من صفات الله تعالى فلا جرم هو منتهى الفضيلة ، وبه فضل الأنبياء والأولياء والعلماء فإذا لو استوى عنده وجود المال وعدمه ، فهذا نوع من الغنى يضاهي بوجه من الوجوه الغنى الذي يوصف به الله سبحانه ، فهو فضيلة . أما الغنى بوجود المال فلا فضيلة فيه أصلا فهذا بيان نسبة حال الفقير القانع إلى حال الغنى الشاكر المقام الثاني : في نسبة حال الفقير الحريص إلى حال الغني الحريص ولنفرض هذا في شخص واحد ، هو طالب للمال ، وساع فيه ، وفاقد له ثم وجده ، فله حالة الفقد وحالة الوجود فأي حالتيه أفضل ؟ فنقول . ننظر ، فإن كان مطلوبه ما لا بد