الغزالي
24
إحياء علوم الدين
من القلب ، حتى تصير الدنيا كلها كالسجن المانع من المحبوب . ولذلك رأى بعض الصالحين أبا سليمان الداراني في المنام وهو يطير ، فسأله فقال الآن أفلت . فلما أصبح سأل عن حاله ، فقيل له إنه مات البارحة بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف اعلم أن ما ذكرناه في دواء الصبر ، وشرحناه في كتاب الصبر والشكر ، هو كاف في هذا الغرض . لأن الصبر لا يمكن إلا بعد حصول الخوف والرجاء . لأن أول مقامات الدين اليقين الذي هو عبارة عن قوة الإيمان با لله تعالى ، وباليوم الآخر ، والجنة ، والنار . وهذا اليقين بالضرورة يهيج الخوف من النار ، والرجاء للجنة . والرجاء والخوف يقويان على الصبر . فإن الجنة قد حفت بالمكاره ، فلا يصبر على تحملها إلا بقوة الرجاء ، والنار قد حفت بالشهوات فلا يصبر على قمعها إلا بقوة الخوف . ولذلك قال علي كرم الله وجهه . من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات . ثم يؤدى مقام الصبر المستفاد من الخوف والرجاء إلى مقام المجاهدة ، والتجرد لذكر الله تعالى ، والفكر فيه على الدوام ويؤدى دوام الذكر إلى الأنس ، ودوام الفكر إلى كمال المعرفة . ويؤدى كمال المعرفة والأنس إلى المحبة ، ويتبعها مقام الرضا ، والتوكل ، وسائر المقامات . فهذا هو الترتيب في سلوك منازل الدين . وليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف والرجاء ، ولا بعدهما مقام سوى الصبر ، وبه المجاهدة والتجرد لله ظاهرا وباطنا . ولا مقام بعد المجاهدة لمن فتح له الطريق إلا الهداية والمعرفة ، ولا مقام بعد المعرفة إلا المحبة والأنس ، ومن ضرورة المحبة الرضا بفعل المحبوب ، والثقة بعنايته ، وهو التوكل . فإذا فيما ذكرناه في علاج الصبر كفاية . ولكنا نفرد الخوف بكلام أجمل فنقول . الخوف يحصل بطريقين مختلفين . أحدهما أعلى من الآخر . ومثاله أن الصبي إذا كان في بيت ، فدخل عليه سبع أو حية . ربما كان لا يخاف ، وربما مد اليد إلى الحية ليأخذها ويلعب بها