الغزالي

25

إحياء علوم الدين

ولكن إذا كان معه أبوه وهو عافل ، خاف من الحية وهرب منها . فإذا نظر الصبي إلى أبيه وهو ترتعد فرائصه ، ويحتال في الهرب منها ، قام معه ، وغلب عليه الخوف ، ووافقه في الهرب . فخوف الأب عن بصيرة ومعرفة بصفة الحية ، وسمها ، وخاصيتها ، وسطوة السبع ، وبطشه ، وقلة مبالاته . وأما خوف الابن فإيمان بمجرد التقليد ، لأنه يحسن الظن بأبيه ، ويعلم أنه لا يخاف إلا من سبب مخوف في نفسه . فيعلم أن السبع مخوف ، ولا يعرف وجهه وإذا عرفت هذا المثال فاعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين . أحدهما الخوف من عذابه ، والثاني الخوف منه . فأما الخوف منه ، فهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة ، والخوف ، والحذر ، المطلعين على سر قوله تعالى * ( ويُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَه ُ « 1 » ) * وقوله عز وجل * ( اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ِ ) « 2 » وأما الأول فهو خوف عموم الخلق ، وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنة والنار ، وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية ، وضعفه بسبب الغفلة وسبب ضعف الإيمان ، وإنما تزول الغفلة بالتذكير ، والوعظ ، وملازمة الفكر في أهوال يوم القيامة ، وأصناف العذاب في الآخرة ونزول أيضا بالنظر إلى الخائفين ، ومجالستهم ، ومشاهدة أحوالهم . فإن فاتت المشاهدة فالسماع لا يخلو عن تأثير . وأما الثاني وهو الأعلى ، فأن يكون الله هو المخوف ، أعنى أن يخاف البعد والحجاب عنه ، ويرجو القرب منه . قال ذو النون رحمه الله تعالى ، خوف النار عند خوف الفراق كقطرة قطرت في بحر لجي . وهذه خشية العلماء حيث قال الله تعالى * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِه ِ الْعُلَماءُ « 3 » ) * ولعموم المؤمنين أيضا حظ من هذه الخشية ، ولكن هو بمجرد التقليد ، يضاهي خوف الصبي من الحية تقليدا لأبيه ، وذلك لا يستند إلى بصيرة ، فلا جرم يضعف ويزول على قرب . حتى أن الصبي ربما يرى المعزم يقدم على أخذ الحية ، فينظر إليه ويغتر به فيتجرأ على أخذها تقليدا له ، كما احترز من أخذها تقليدا لأبيه . والعقائد التقليدية ضعيفة في الغالب إلا إذا قويت بمشاهدة أسبابها المؤكدة لها على الدوام ، وبالمواظبة على مقتضاها في تكثير الطاعات واجتناب المعاصي مدة طويلة على الاستمرار

--> « 1 » آل عمران 28 « 2 » آل عمران : 102 « 3 » فاطر : 28