الغزالي

20

إحياء علوم الدين

يا بني ، خف الله خوفا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك ، وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك . ولذلك قال عمر رضي الله عنه لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا ، لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل . ولو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا ، لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل . وهذا عبارة عن غاية الخوف والرجاء ، واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ولكن على سبيل التقاوم والتساوي . فمثل عمر رضي الله عنه ينبغي أن يستوي خوفه ورجاؤه . فأما العاصي إذا ظن أنه الرجل الذي استثني من الذين أمروا بدخول النار ، كان ذلك دليلا على اغتراره فإن قلت : مثل عمر رضي الله عنه لا ينبغي أن يتساوى خوفه ورجاؤه ، بل ينبغي أن يغلب رجاؤه كما سبق في أول كتاب الرجاء ، وأن قوته ينبغي أن تكون بحسب قوة أسبابه كما مثل بالزرع والبذر ، ومعلوم أن من بث البذر الصحيح في أرض نقية . وواظب على تعهدها ، رجاء بشروط الزراعة جميعها ، غلب على قلبه رجاء الإدراك . ولم يكن خوفه مساويا لرجائه . فهكذا ينبغي أن تكون أحوال المتقين فاعلم أن من يأخذ المعارف من الألفاظ والأمثلة يكثر زلله . وذلك وإن أوردناه مثالا ، فليس يضاهي ما نحن فيه من كل وجه ، لأن سبب غلبة الرجاء العلم الحاصل بالتجربة إذ علم بالتجربة صحة الأرض ونقاءها ، وصحة البذر ، وصحة الهواء ، وقلة الصواعق المهلكة في تلك البقاع وغيرها . وإنما مثال مسألتنا بذر لم يجرب جنسه ، وقد بث في أرض غريبة لم يعهدها الزارع ولم يختبرها ، وهي في بلاد ليس يدرى أتكثر الصواعق فيها أم لا . فمثل هذا الزارع وإن أدى كنه مجهوده ، وجاء بكل مقدوره ، فلا يغلب رجاؤه على خوفه . والبذر في مسألتنا هو الإيمان ، وشروط صحته دقيقة ، والأرض القلب ، وخفايا خبثه وصفائه من الشرك الخفي ، والنفاق ، والرياء ، وخفايا الأخلاق فيه غامضة ، والآفات هي الشهوات وزخارف الدنيا ، والتفاوت القلب إليها في مستقبل الزمان وإن سلم في الحال ، وذلك مما لا يتحقق ولا يعرف بالتجربة ، إذ قد يعرض من الأسباب ما لا يطاق مخالفته ، ولم يجرب مثله ، والصواعق هي أهوال سكرات الموت ، واضطراب الاعتقاده عنده ، وذلك مما لا يجرب مثله . ثم الحصاد والإدراك عند المنصرف من القيامة إلى الجنة ، وذلك لم يجرب