الغزالي

21

إحياء علوم الدين

فمن عرف حقائق هذه الأمور ، فإن كان ضعيف القلب ، جبانا في نفسه ، غلب خوفه على رجائه لا محالة ، كما سيحكى في أحوال الخائفين من الصحابة والتابعين . وإن كان قوي القلب ، ثابت الجأش ، تام المعرفة ، استوى خوفه ورجاؤه . فأما أن يغلب رجاؤه فلا ولقد كان عمر رضي الله عنه يبالغ في تفتيش قلبه ، حتى كان يسأل حذيفة رضي الله عنه أنه هل يعرف به من آثار النفاق شيئا ، إذ كان قد خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] بعلم المنافقين . فمن ذا الذي يقدر على تطهير قلبه من خفايا النفاق والشرك الخفي ؟ وإن اعتقد نقاء قلبه عن ذلك فمن أين يأمن مكر الله تعالى بتلبيس حاله عليه ، وإخفاء عيبه عنه وإن وثق به فمن أين يثق ببقائه على ذلك إلى تمام حسن الخاتمة ؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر » وفي رواية « إلا قدر فواق ناقة فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار » وقدر فوق الناقة لا يحتمل عملا بالجوارح ، إنما هو بمقدار خاطر يختلج في القلب عند الموت ، فيقتضى خاتمة السوء . فكيف يؤمن ذلك ؟ فإذا أقصى غايات المؤمن أن يعتدل خوفه ورجاؤه . وغلبة الرجاء في غالب الناس تكون مستندة للاغترار وقلة المعرفة . ولذلك جمع الله تعالى بينهما في وصف من أثنى عليهم فقال تعالى * ( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً « 1 » ) * وقال عز وجل * ( ويَدْعُونَنا رَغَباً ورَهَباً « 2 » ) * وأين مثل عمر رضي الله عنه ؟ فالخلق الموجودون في هذا الزمان كلهم الأصلح لهم غلبة الخوف ، بشرط أن لا يخرجهم

--> « 1 » السجدة : 16 « 2 » الأنبياء : 90