الغزالي
184
إحياء علوم الدين
والتجربة ، وتواتر الأخبار بأنه أفصح الناس لسانا ، وأقواهم بيانا ، وأقدرهم على نصرة الحق بل على تصوير الحق بالباطل ، والباطل بالحق . فإذا عرفت التوكل في هذا المثال ، فقس عليه التوكل على الله تعالى . فإن ثبت في نفسك بكشف أو باعتقاد جازم ، أنه لا فاعل إلا الله كما سبق ، واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد ، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء منتهى علمه علم ، ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة ، اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ، ولم يلتفت إلى غيره بوجه ، ولا إلى نفسه وحوله وقوته ، فإنه لا حول ولا قوة إلا باللَّه ، كما سبق في التوحيد وعند ذكر الحركة والقدرة ، فإن الحول عبارة عن الحركة ، والقوة عبارة عن القدرة فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين : إما ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة ، وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه ، وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه . فإن القلب قد ينزعج تبعا للوهم ، وطاعة له ، عن غير نقصان في اليقين . فإن من يتناول عسلا فشبه بين يديه بالعذرة ، ربما نفر طبعه ، وتعذر عليه تناوله . ولو كلف العاقل أنه يبيت مع الميت في قبر ، أو فراش ، أو بيت ، نفر طبعه عن ذلك ، وإن كان متيقنا بكونه ميتا ، وأنه جماد في الحال ، وأن سنة الله تعالى مطردة بأنه لا يحشره الآن ولا يحييه وإن كان قادرا عليه ، كما أنها مطردة بأن لا يقلب القلم الذي في يده حية ، ولا يقلب السنور أسدا وإن كان قادرا عليه ، ومع أنه لا يشك في هذا اليقين ينفر طبعه عن مضاجعة الميت في فراش ، أو الميت معه في البيت ، ولا ينفر عن سائر الجمادات . وذلك جبن في القلب ، وهو نوع ضعف قلما يخلو الإنسان عن شيء منه وإن قلّ ، وقد يقوى فيصير مرضا . حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب وإحكامه فإذا لا يتم التوكل إلا بقوّة القلب وقوّة اليقين جميعا ، إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته . فالسكون في القلب شيء ، واليقين شيء آخر فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال تعالى لإبراهيم عليه السلام * ( أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 1 » ) *
--> « 1 » البقرة : 260