الغزالي

185

إحياء علوم الدين

فالتمس أن يكون مشاهدا إحياء الميت بعينه ليثبت في خياله ، فإن النفس تتبع الخيال وتطمئن به ، ولا تطمئن باليقين في ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنة ، وذلك لا يكون في البداية أصلا . وكم من مطمئن لا يقين له ، كسائر أرباب الملل والمذاهب فإن اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده ، وكذا النصراني ، ولا يقين لهم أصلا ، وإنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس . ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، وهو سبب اليقين ، إلا أنهم معرضون عنه . فإذا الجبن والجراءة غرائز ، ولا ينفع اليقين معها ، فهي أحد الأسباب التي تضاد حال التوكل ، كما أن ضعف اليقين بالخصال الأربعة أحد الأسباب . وإذا اجتمعت هذه الأسباب حصلت الثقة باللَّه تعالى . وقد قيل مكتوب في التوراة : ملعون من ثقته إنسان مثله . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من استعز بالعبيد أذله الله تعالى » وإذا انكشف لك معنى التوكل ، وعلمت الحالة التي سميت توكلا ، فاعلم أن تلك الحالة لها في القوّة والضعف ثلاث درجات : . الدرجة الأولى : ما ذكرناه ، وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى ، والثقة بكفالته وعنايته ، كحاله في الثقة بالوكيل الثانية : وهي أقوى ، أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه . فإنه لا يعرف غيرها ، ولا يفزع إلى أحد سواها ، ولا يعتمد إلا إياها . فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلها . وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه يا أماه ، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه ، فإنها مفزعه . فإنه قد وثق بكفالتها ، وكفايتها ، وشفقتها ، ثقة ليست خالية عن نوع إدراك بالتمييز الذي له ، ويظن أنه طبع من حديث إن الصبي لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلقين لفظه ، ولا على إحضاره مفصلا في ذهنه . ولكن كل ذلك وراء الإدراك . فمن كان باله إلى الله عز وجل ، ونظره إليه ، واعتماده ، عليه ، كلف به كما يكلف الصبي بأمه ، فيكون متوكلا حقا . فإن الطفل متوكل على أمه . والفرق بين هذا وبين الأول أن هذا متوكل وقد فني في توكله عن توكله ، إذ ليس يلتفت قلبه إلى التوكل وحقيقته