الغزالي
183
إحياء علوم الدين
الغطاء عنه ونقول : . التوكل مشتق من الوكالة . يقال وكل أمره إلى فلان ، أي فوضه إليه ، واعتمد عليه فيه . ويسمى الموكول إليه وكيلا ، ويسمى المفوض إليه متكلا عليه ، ومتوكل عليه ، مهما اطمأنت إليه نفسه ، ووثق به ، ولم يتهمه فيه بتقصير ، ولم يعتقد فيه عجزا وقصورا فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ولنضرب للوكيل في الخصومة مثلا فنقول : من ادعى عليه دعوى باطلة بتلبيس ، فوكل للخصومة من يكشف ذلك التلبيس ، لم يكن متوكلا عليه ، ولا واثقا به ، ولا مطمئن النفس بتوكيله ، إلا إذا اعتقد فيه أربعة أمور : منتهى الهداية ، ومنتهى القوة ، ومنتهى الفصاحة ، ومنتهى الشفقة أما الهداية : فليعرف بها مواقع التلبيس حتى لا يخفى عليه من غوامض الحيل شيء أصلا وأما القدرة والقوة : فليستجرئ على التصريح بالحق فلا يداهن ولا يخاف ، ولا يستحى ، ولا يجبن ، فإنه ربما يطلع على وجه تلبيس خصمه فيمنعه الخوف ، أو الجبن ، أو الحياء ، أو صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن التصريح به وأما الفصاحة : فهي أيضا من القدرة ، إلا أنها قدرة في اللسان على الإفصاح عن كل ما استجرأ القلب عليه ، وأشار إليه ، فلا كل عالم بمواقع التلبيس قادر بذلاقة لسانه على حل عقدة التلبيس وأما منتهى الشفقة ، فيكون باعثا له على بذل كل ما يقدر عليه في حقه من المجهود ، فإن قدرته لا تغني دون العناية به إذا كان لا يهمه أمره ، ولا يبالي به ظفر خصمه أو لم يظفر هلك به حقه أو لم يهلك . فإن كان شاكا في هذه الأربعة ، أو في واحدة منها ، أو جوز أن يكون خصمه في هذه الأربعة أكمل منه ، لم تطمئن نفسه إلى وكيله ، بل بقي منزعج القلب ، مستغرق الهم بالحيلة والتدبير ليدفع ما يحذره من قصور وكيله ، وسطوة خصمه ويكون تفاوت درجة أحواله في شدة الثقة والطمأنينة بحسب تفاوت قوة اعتقاده لهذه الخصال فيه . والاعتقادات والظنون في القوة والضعف تتفاوت تفاوتا لا ينحصر ، فلا جرم تتفاوت أحوال المتوكلين في قوة الطمأنينة والثقة تفاوتا لا ينحصر ، إلى أن ينتهى إلى اليقين الذي لا ضعف فيه ، كما لو كان الوكيل والد الموكل وهو الذي يسعى لجمع الحلال والحرام لأجله ، فإنه يحصل له يقين بمنتهى الشفقة والعناية ، فتصير خصلة واحدة من الخصال الأربعة قطعية . وكذلك سائر الخصال يتصور أن يحصل القطع به ، وذلك بطول الممارسة