الغزالي

182

إحياء علوم الدين

ولولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنس ، فإن الكمال والنقص يظهر بالإضافة فمقتضى الجود والحكمة خلق الكامل والناقص جميعا وكما أن قطع اليد إذا تأكلت إبقاء على الروح عدل ، لأنه فداء كامل بناقص ، فكذلك الأمر في التفاوت الذي بين الخلق في القسمة الدنيا والآخرة ، فكل ذلك عدل لا جور فيه ، وحق لا لعب فيه . وهذا الآن بحر آخر عظيم العمق ، واسع الأطراف ، مضطرب الأمواج ، قريب في السعة من بحر التوحيد ، فيه غرق طوائف من القاصرين ، ولم يعلموا أن ذلك غامض لا يعقله إلا العالمون ، ووراء هذا البحر سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ومنع من إفشاء سره المكاشفون . والحاصل أن الخير والشر مقضي به ، وقد كان ما قضي به واجب الحصول بعد سبق المشيئة ، فلا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه وأمره بل كل صغير وكبير ومستطر ، وحصوله بقدر معلوم منتظر ، وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك . ولنقتصر على هذه المرامز من علوم المكاشفة التي هي أصول مقام التوكل . ولترجع إلى علم المعاملة إن شاء الله تعالى . وحسبنا الله ونعم الوكيل السطر الثاني من الكتاب في أحوال التوكل وأعماله وفيه بيان حال التوكل ، وبيان ما قاله الشيوخ في حد التوكل ، وبيان التوكل في الكسب للمنفرد والمعيل ، وبيان التوكل بترك الادخار ، وبيان التوكل في دفع المضار ، وبيان التوكل في إزالة الضرر بالتداوى وغيره ، والله الموفق برحمته بيان حال التوكل قد ذكرنا أن مقام التوكل ينتظم من علم ، وحال ، وعمل . وذكرنا العلم فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه ، وإنما العلم أصله ، والعلم ثمرته . وقد أكثر الخائضون في بيان حد التوكل ، واختلفت عباراتهم . وتكلم كل واحد عن مقام نفسه ، وأخبر عن حده ، كما جرت عادة أهل التصوف به . ولا فائدة في النقل والإكثار ، فلنكشف