الغزالي

181

إحياء علوم الدين

وهذا الإيمان أيضا باب عظيم من أبواب الإيمان ، وحكاية طريق المكاشفين فيه تطول فلنذكر حاصله ليعتقده الطالب لمقام التوكل اعتقادا قاطعا لا يستريب فيه ، وهو أن يصدق تصديقا يقينيا لا ضعف فيه ولا زيب ، أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم ، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم ، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها ، ثم زاد مثل عدد جميعهم علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور ، وأطلعهم على أسرار الملكوت ، وعرفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات ، حتى اطلعوا به على الخير والشر ، والنفع والضرر ، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم ، لما اقتضى تدبير جميعهم ، مع التعاون والتظاهر عليه ، أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة ، ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ولا أن يرفع منها ذرة ، ولا أن يخفض منها ذرة ، ولا أن يدفع مرض ، أو عيب ، أو نقص ، أو فقر ، أو ضر عمن بلي به ، ولا أن يزال صحة ، أو كمال ، أو غنى ، أو نفع ، عمن أنعم الله به عليه ، بل كل ما خلقه الله تعالى من السماوات والأرض إن رجعوا فيها البصر ، وطولوا فيها النظر . ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور . وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل ، وسرور وحزن ، وعجز وقدرة ، وإيمان وكنفر ، وطاعة ومعصية فكله عدل محض لا جور فيه ، وحق صرف لا ظلم فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي ، وكما ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي : وليس في الإمكان أصلا أحسن منه ، ولا أتم ، ولا أكمل . ولو كان ، وادخره مع القدرة ، ولم يتفضل بفعله ، لكان بخلا يناقض الجود ، وظلما يناقض العدل ، ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الإلهية . بل كل فقر وضر في الدنيا ، فهو نقصان من الدنيا وزيادة في الآخرة . وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص ، فهو نعيم بالإضافة إلى غيره . إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار ، ولولا المرض لما تنعم الأصحاء بالصحة ، ولولا النار لما عرف أهل الجنة قدر النعمة وكما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم ، وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم ، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل ، فكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان بتعظيم للعقوبة على أهل النيران ، وفداء أهل الإيمان بأهل الكفر ان عين العدل . وما لم يخلق الناقص لا يعرف الكامل