الغزالي

170

إحياء علوم الدين

الحضرة . فخر صعقا يضطرب في غشيته . فلما أفاق قال سبحانك ما أعظم شأنك ، تبت إليك ، وتوكلت عليك ، وآمنت بأنك الملك . الجبار ، الواحد . القهار ، فلا أخاف غيرك ، ولا أرجو سواك ، ولا أعوذ إلا بعفوك من عقابك ، وبرضاك من سخطك ، ومالي إلا أن أسألك وأتضرع إليك ، وأبتهل بين يديك فأقول . اشرح لي صدري لأعرفك ، واحلل عقدة من لساني لأثني عليك فنودي من وراء الحجاب . إياك أن تطمع في الثناء ، وتزيد على سيد الأنبياء . بل ارجع إليه ، فما أتاك فخذه ، وما نهاك عنه فانته عنه ، وما قاله لك فقله . فإنه ما زاد في هذه الحضرة على أن قال [ 1 ] « سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فقال إلهي إن لم يكن للسان جراءة على الثناء عليك . فهل للقلب مطمع في معرفتك ؟ فنودي : إياك أن تتخطى رقاب الصديقين ، فارجع إلى الصديق الأكبر فاقتد به ، فإن أصحاب سيد الأنبياء كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم . أما سمعته يقول : العجز عن درك الإدراك إدراك ؟ فيكفيك نصيبا من حضرتنا أن تعرف أنك محروم عن حضرتنا . عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا فعند هذا رجع السالك واعتذر عن أسئلته ومعاتباته ، وقال لليمين ، والقلم ، والعلم ، والإرادة ، والقدرة ، وما بعدها . أقبلوا عذرى ، فإني كنت غريبا حديث العهد بالدخول في هذه البلاد ، ولكل داخل دهشة ، فما كان إنكاري عليكم إلا عن قصور وجهل ، والآن قد صح عندي عذركم ، وانكشف لي أن المنفرد بالملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، هو الواحد القهار ، فما أنتم إلا مسخرون تحت قهره وقدرته ، مرددون في قبضته ، وهو الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن فلما ذكر ذلك في عالم الشهادة استبعد منه ذلك ، وقيل له : كيف يكون هو الأول والآخر ، وهما وصفان متناقضان ؟ وكيف يكون هو الظاهر والباطن ؟ فالأول ليس بآخر والظاهر ليس بباطن . فقال : هو الأول بالإضافة إلى الموجودات ، إذ صدر منه الكل على ترتيبه واحدا بعد واحد . وهو الآخر بالإضافة إلى سير السائرين إليه ، فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة ، فيكون ذلك آخر السفر