الغزالي

171

إحياء علوم الدين

فهو آخر في المشاهدة ، أول في الوجود وهو باطن بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة ، الطالبين لإدراكه بالحواس الخمس ظاهر بالإضافة إلى من يطلبه في السراج الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة النافذة في عالم الملكوت . فهكذا كان توحيد السالكين لطريق التوحيد في الفعل . أعنى من انكشف له أن الفاعل واحد . فإن قلت : فقد انتهى هذا التوحيد إلى أنه يبتنى على الإيمان بعالم الملكوت ، فمن لم يفهم ذلك أو يجحده فما طريقه ؟ فأقول أما الجاحد فلا علاج له إلا أن يقال له . إنكارك لعالم الملكوت كإنكار السمنية لعالم الجبروت ، وهم الذين حصروا العلوم في الحواس الخمس ، فأنكروا القدرة والإرادة والعلم ، لأنها لا تدرك بالحواس الخمس ، فلازموا حضيض عالم الشهادة بالحواس الخمس فإن قال : وأنا منهم ، فإني لا أهتدى إلا إلى عالم الشهادة بالحواس الخمس ، ولا أعلم شيئا سواه ، فيقال إنكارك لما شاهدناه مما وراء الحواس الخمس كإنكار السوفسطائية للحواس الخمس . فإنهم قالوا . ما نراه لا نثق به ، فلعلنا نراه في المنام فإن قال : وأنا من جملتهم ، فإني شاك أيضا في المحسوسات ، فيقال هذا شخص فسد مزاجه ، وامتنع علاجه ، فيترك أياما قلائل . وما كل مريض يقوى على علاجه الأطباء . هذا حكم الجاحد . وأما الذي لا يجحد ، ولكن لا يفهم . فطريق السالكين معه أن ينظروا إلى عينه التي يشاهد بها عالم الملكوت . فإن وجدوهها صحيحة في الأصل ، وقد نزل فيها ماء أسود يقبل الإزالة والتنقية ، اشتغلوا بتنقيته اشتغال الكحال بالأبصار الظاهرة فإذا استوى بصره أرشد إلى الطريق ليسلكها ، كما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بخواص أصحابه فإن كان غير قابل للعلاج ، فلم يمكنه أن يسلك الطريق الذي ذكرناه في التوحيد ، ولم يمكنه أن يسمع كلام ذرات الملك والملكوت بشهادة التوحيد ، كلموه بحرف وصوت ، وردوا ذروة التوحيد إلى حضيض فهمه ، فإن في عالم الشهادة أيضا توحيدا ، إذ يعلم كل أحد أن المنزل يفسد بصاحبين ، والبلد يفسد بأميرين . فيقال له على حد عقله . إله العالم واحد ، والمدبر واحد ، إذ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا . فيكون ذلك على ذوق ما رآه