الغزالي

164

إحياء علوم الدين

* ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ « 1 » ) * الآية . ثم إنها تتناجى بأسرار الملك والملكوت ، وإفشاء السر لؤم ، بل صدور الأحرار قبور الأسرار . وهل رأيت قط أمينا على أسرار الملك . قد نوجي بخفاياه ، فنادى بسره على ملأ من الخلق ، ولو جاز إفشاء كل سرّ لنا لما قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكون ولا يضحكون . ولما [ 2 ] نهي عن إفشاء سر القدر ولما قال [ 3 ] « إذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا » ولما [ 4 ] خص حذيفة رضي الله عنه ببعض الأسرار فإذا عن حكايات مناجاة ذرات الملك والملكوت القلوب أرباب المشاهدات مانعان أحدهما : استحالة إفشاء السر والثاني : خروج كلماتها عن الحصر والنهاية . ولكنا في المثال الذي كنّا فيه ، وهي حركة القلم ، نحكى من مناجاتها قدرا يسيرا يفهم به على الإجمال كيفية ابتناء التوكل عليه ، ونرد كلماتها إلى الحروف والأصوات ، وإن لم تكن هي حروفا وأصواتا ، ولكن هي ضرورة التفهيم فنقول : قال بعض الناظرين عن مشكاة نور الله تعالى للكاغذ ، وقد رآه اسود وجهه بالحبر . ما بال وجهك كان أبيض مشرقا ، والآن قد ظهر عليه السواد ؟ فلم سودت وجهك ؟ وما السبب فيه ؟ فقال الكاغذ . ما أنصفتنى في هذه المقالة ، فإني ما سودت وجهي بنفسي ، ولكن سل الجبر ، فإنه كان مجموعا في المحبرة التي هي مستقره ووطنه ، فسافر عن الوطن ، ونزل بساحة وجهي ظلما وعدوانا . فقال صدقت فسأل الحبر عن ذلك فقال . ما أنصفتنى ، فإني كنت في المحبرة وادعا ساكنا ، عازما على أن لا أبرح منها ، فاعتدى عليّ القلم بطمعه الفاسد ، واختطفنى من وطنى ، وأجلانى عن بلادي

--> « 1 » الكهف : 190