الغزالي
165
إحياء علوم الدين
وفرق جمعى ، وبددنى كما ترى على ساحة بيضاء ، فالسؤال عليه لا علي . فقال صدقت ثم سأل القلم عن السبب في ظلمة وعدوانه ، وإخراج الحبر من أوطانه . فقال . سل اليد والأصابع ، فإني كنت قصبا نابتا على شرط الأنهار ، متنزها بين خضرة الأشجار ، فجاءتني اليد بسكين ، فنحت عنى قشري ، ومزقت عنى ثيابي ، واقتلعتنى من أصلي ، وفصلت بين أنابيبي ، ثم برتنى وشقت رأسي ، ثم غمستنى في سواد الحبر ومرارته ، وهي تستخدمني وتمشينى على قمة رأسي ، ولقد نثرت الملح على جرحى بسؤالك وعتابك ، فتنح عنى وسل من قهرني . فقال صدقت ثم سأل اليد عن ظلمها وعدوانها على القلم واستخدامها له ، فقالت اليد . ما أنا إلا لحم وعظم ودم ، وهل رأيت لحما يظلم ، أو جسما يتحرك بنفسه ؟ وإنما أنا مركب مسخر ، ركبني فارس يقال له القدرة والعزة ، فهي التي ترددنى وتجول بي في نواحي الأرض . أما ترى المدر ، والحجر ، والشجر ، لا يتعدى شيء منها مكانه . ولا يتحرك بنفسه ، إذ لم يركبه مثل هذا الفارس القوي القاهر ؟ أما ترى أيدي الموتى تساوينى في صورة اللحم والعظم والدم ، ثم لا معاملة بينها وبين القلم ؟ فأنا أيضا من حيث أنا لا معاملة بيني وبين القلم ، فسل القدرة عن شأني ، فإني مركب أزعجنى من ركبني . فقال صدقت ثم سأل القدرة عن شأنها في استعمالها اليد . وكثرة استخدامها وترديدها ، فقالت دع عنك لومى ومعاتبتى ، فكم من لائم ملوم ، وكم من ملوم لا ذنب له . وكيف خفي عليك أمري ، وكيف ظننت أنى ظلمت اليد لما ركبتها ، وقد كنت لها راكبة قبل التحريك وما كنت أحركها ولا أستسخرها ، بل كنت نائمة ساكنة نوما ظن الظانون بي أنى ميتة أو معدومة ، لأني ما كنت أتحرك ولا أحرك ، حتى جاءني موكل أزعجنى وأرهقنى إلى ما تراه منى فكانت لي قوة على مساعدته ، ولم تكن لي قوة على مخالفته . وهذا الموكل يسمى الإرادة ، ولا أعرفه إلا باسمه وهجومه وصياله إذ أزعجنى من غمرة النوم ، وأرهقنى إلى ما كان لي مندوحة عنه لو خلانى ورأيي . فقال صدقت ثم سأل الإرادة ما الذي جرأك على هذه القدرة الساكنة المطمئنة ، حتى صرفتها إلى التحريك ، وأرهقتها إليه إرهاقا لم تجد عنه مخلصا ولا مناصا ؟ فقالت الإرادة : لا تعجل عليّ