الغزالي
158
إحياء علوم الدين
بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل اعلم أن التوكل من أبواب الإيمان . وجميع أبواب الإيمان لا تنتظم إلا بعلم ، وحال ، وعمل . والتوكل كذلك ينتظم من علم هو الأصل ، وعمل هو الثمرة ، وحال هو المراد باسم التوكل فلنبدأ ببيان العلم الذي هو الأصل ، وهو المسمى إيمانا في أصل اللسان ، إذ الإيمان هو التصديق ، وكل تصديق بالقلب فهو علم ، وإذا قوي سمي يقينا . ولكن أبواب اليقين كثيرة . ونحن إنما نحتاج منها إلى ما نبنى عليه التوكل ، وهو التوحيد ، الذي يترجمه قولك لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، والإيمان بالقدرة التي يترجم عنها قولك . له الملك والإيمان بالجود والحكمة الذي يدل عليه قولك . وله الحمد ، فمن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، تمّ له الإيمان الذي هو أصل التوكل ، أعنى أن يصير معنى هذا القول وصفا لازما لقلبه ، غالبا عليه فأما التوحيد فهو الأصل . والقول فيه يطول . وهو من علم المكاشفة . ولكن بعض علوم المكاشفات متعلق بالأعمال بواسطة الأحوال ، ولا يتم علم المعاملة إلا بها . فإذا لا نتعرض إلا للقدر الذي يتعلق بالمعاملة . وإلا فالتوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له فنقول : للتوحيد أربع مراتب : وهو ينقسم إلى لب ، وإلى لب اللب ، وإلى قشر ، وإلى قشر القشر . ولنمثل ذلك تقريبا إلى الأفهام الضعيفة بالجوز في قشرته العليا . فإن له قشرتين ، وله لب ، وللب دهن هو لب اللب فالرتبة الأولى : من التوحيد هي أن يقول الإنسان بلسانه لا إله إلا الله ، وقلبه غافل عنه ، أو منكر له ، كتوحيد المنافقين والثانية : أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه ، كما صدق به عموم المسلمين ، وهو اعتقاد العوام والثالثة : أن يشاهد ذلك بطريق الكشف ، بواسطة نور الحق ، وهو مقام المقربين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار والرابعة : أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ، وهي مشاهدة الصديقين ، وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا . وإذا لم ير نفسه