الغزالي
159
إحياء علوم الدين
لكونه مستغرقا بالتوحيد كان فانيا عن نفسه في توحيده ، بمعنى أنه فني عن رؤبة نفسه والخلق فالأول : موحد بمجرد اللسان ، ويعصم ذلك صاحبه في الدنيا عن السيف والسنان والثاني : موحد بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم لفظه ، وقلبه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه ، وهو عقدة على القلب ليس فيه انشراح وانفساح ، ولكنه يحفظ صاحبه من العذاب في الآخرة إن توفي عليه ، ولم تضعف بالمعاصي عقدته . ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله تسمى بدعة . وله حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل والتضعيف ، ويقصد بها أيضا إحكام هذه العقدة وشدها على القلب ، وتسمى كلاما ، والعارف به يسمى متكلما . وهو في مقابلة المبتدع ، ومقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب العوام . وقد يخص المتكلم باسم الموحد ، من حيث إنه يحمى بكلامه مفهوم لفظ التوحيد على قلوب العوام ، حتى لا تنحل عقدته والثالث : موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا ، إذا انكشف له الحق كما هو عليه ولا يرى فاعلا بالحقيقة إلا واحدا . وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه ، لا أنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة ، فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين ، إذا لم يفارق المتكلم العامي في الاعتقاد ، بل في صنعة تلفيق الكلام الذي به يدفع حيل المبتدع عن تحليل هذه العقدة والرابع : موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير ، بل من حيث إنه واحد . وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد فالأول كالقشرة العليا من الجوز ، والثاني كالقشرة السفلى ، والثالث كاللب ، والرابع كالدهن المستخرج من اللب ، وكما أن القشرة العليا من الجواز لا خير فيها ، بل إن أكل فهو مرّ المذاق ، وإن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر ، وإن اتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان ، وإن ترك في البيت ضيق المكان ، فلا يصلح إلا أن يترك مدة على الجوز للصون ، ثم يرمى به عنه ، فكذلك التوحيد بمجرد اللسان دون التصديق بالقلب عديم الجدوى كثير الضرر ، مذموم الظاهر والباطن ، لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت ، والقشرة السفلى هي القلب والبدن . وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة ، فإنهم لم يؤمروا بشق