الغزالي

154

إحياء علوم الدين

كتاب التوحيد والتوكل وهو الكتاب الخامس من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مدبر الملك والملكوت ، المنفرد بالعزة والجبروت ، الرافع للسماء بغير عماد ، المقدر فيها أرزاق العباد ، الذي صرف أعين ذوي القلوب والألباب عن ملاحظة الوسائط والأسباب إلى مسبب الأسباب ، ورفع هممهم عن الالتفات إلى ما عداه ، والاعتماد على مدبر سواه ، فلم يعبدوا إلا إياه ، علما بأنه الواحد الفرد الصمد الإله ، وتحقيقا بأن جميع أصناف الخلق عباد أمثالهم لا يبتغى عندهم الرزق ، وأنه ما من ذرة إلا إلى الله خلقها ، وما من دابة إلا على الله رزقها . فلما تحققوا أنه لرزق عباده ضامن ، وبه كفيل ، توكلوا عليه فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . والصلاة على محمد قامع الأباطيل ، الهادي إلى سواء السبيل ، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا أما بعد : فإن التوكل منزل من منازل الدين ، ومقام من مقامات الموقنين . بل هو من معالى درجات المقربين . وهو في نفسه غامض من حيث العلم ، ثم هو شاق من حيث العمل . ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد ، والتثاقل عنها بالكلية طعن في السنة وقدح في الشرع . والاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسبابا تغيير في وجه العقل ، وانغماس في غمرة الجهل . وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد ، والنقل ، والشرع ، في غاية الغموض والعسر ، ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء ، الذين اكتحلوا من فضل الله تعالى بأنوار الحقائق فأبصروا وتحققوا ، ثم نطقوا بالإعراب عما شاهدوه من حيث استنطقوا ونحن الآن نبدأ بذكر فضيلة التوكل على سبيل التقدمة ، ثم نردفه بالتوحيد في الشطر الأوّل من الكتاب ، ونذكر حال التوكل وعمله في الشطر الثاني