الغزالي
125
إحياء علوم الدين
الله تعالى خاصة إلا من عرفه . وكما أن من عرف الدينار والدرهم ، وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما ، لم يحب إلا الدينار ، فكذلك من عرف الله ، وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم ، وعرف أن الجمع بين تلك اللذة ، وبين لذة التنعم بالحور العين . والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن ، فلا يجب إلا لذة النظر ، ولا يؤثر غيره ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور والقصور متسع في قلوبهم ، بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم أهل الجنة كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به . والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبي الطالب للعب بالعصفور ، التارك اللذة الملك ، وذلك لقصوره عن إدراك لذة الملك . لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق . وأما انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل . ولعل المذكور فيه يزيد على مائة قول ، فلا نشتغل بنقل الأقاويل ، ولكن نشير إلى كلام محيط بالتفاصيل ، حتى يتضح أن أكثر ما ذكر فيه قاصر عن الإحاطة بالكل ، فنقول : المرغوب عنه بالزهد له إجمال وتفصيل . ولتفصيله مراتب ، بعضها أشرح لآحاد الأقسام ، وبعضها أجمل للجمل . أما الإجمال في الدرجة الأولى فهو كل ما سوى الله فينبغي أن يزهد فيه ، حتى يزهد في نفسه أيضا . والإجمال في الدرجة الثانية أن يزهد في كل صفة للنفس فيها متعة . وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة ، والغضب ، والكبر ، والرئاسة ، والمال ، والجاه ، وغيرها وفي الدرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما ، إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس وفي الدرجة الرابعة أن يزهد في العلم ، والقدرة ، والدينار ، والدرهم ، والجاه إذا الأموال وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة . وأعنى به كل علم وقدرة مقصودها ملك القلوب . إذ معنى الجاه هو ملك القلوب والقدرة عليها ، كما أن معنى المال ملك الأعيان والقدرة عليها فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح وتفصيل أبلغ من هذا ، فيكاد يخرج ما فيه الزهد عن الحصر . وقد ذكر الله تعالى في آية واحدة سبعة منها فقال * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ